العدد 6066
السبت 24 مايو 2025
مثلث التحولات في كوالالمبور
السبت 24 مايو 2025

تطل العاصمة الماليزية كوالالمبور اليوم على خريطة العالم كمنصة صاعدة لإعادة هندسة العلاقات الآسيوية الخليجية، وسط مشهد دولي يمور بالتحولات والتقلبات. تتقاطع فيها ثلاثة خطوط استراتيجية: تنامي النفوذ الصيني، وتطلع دول الخليج إلى تنويع شراكاتها خارج الغرب، وصعود رابطة جنوب شرق آسيا (آسيان) ككتلة ديناميكية متعددة الثقافات. عند نقطة التماس بين هذه المحاور، تشكّلت قمة الخليج وآسيان – ومعها الصين – لا كمجرد تظاهرة دبلوماسية، بل كصورة مكثّفة لتحول مركب في الجغرافيا السياسية والاقتصادية والثقافية... تحول يتخذ من كوالالمبور رأسًا لمثلث يتوسع بثبات.

البيانات التجارية لعام 2024 ترسم خطوط هذا التحول بدقة: بلغ حجم التبادل التجاري بين الصين وآسيان 963  مليار دولار أميركي، بينما سجل بين دول الخليج وآسيان 130.7 مليار دولار أميركي، ولامس حجم التجارة بين الصين والخليج 298  مليار دولار أميركي.  هذه ليست مجرد أرقام، بل إشارات إلى تشكُّل فضاء اقتصادي مشترك يتجاوز حدود الجغرافيا التقليدية، ويقوم على المصالح المتقاطعة والفرص المتبادلة، خصوصًا في مجالات الرقمنة، وأمن الطاقة، والبنية التحتية.

آسيان، ببنيتها التوافقية ونموذجها التنموي، باتت وجهة استراتيجية للخليج الساعي لتجاوز الاعتماد على عائدات النفط والغاز، نحو مسارات أكثر استدامة. مع توقيع معاهدة الصداقة والتعاون مع آسيان، باتت العواصم الخليجية ترى في كوالالمبور بوابة إلى جنوب جديد يعجّ بالإمكانات والتوازنات.

على المستوى الثقافي، يتيح التفاعل بين الإسلام الملايوي وروح الخليج المنفتحة بناء خطاب حضاري مشترك يراهن على التعليم، والسياحة، والابتكار الثقافي. ليس الأمر تلاقحًا عابرًا، بل بناء لهوية آسيوية إسلامية مرنة، تتجاوز الانقسامات وتعزز الدبلوماسية الشعبية.

أما من حيث العمق السياسي، فإن القمة تمثل تحررًا من نماذج الاستقطاب القديمة. كما أشار المفكر الروسي ألكسندر دوغين، فإن العالم المتعدد الأقطاب يتشكل من مراكز توازن لا من مركز هيمنة. وها هي ماليزيا، بعقلانيتها البراغماتية وروحها التوفيقية، تطرح نموذجًا ثالثًا لا يقع في فخ الانحياز بل يحتضن التعدد.

الخليج، إذ يشارك بفاعلية في هذا المشهد، لا يملك ترف التردد. لم يعد الغرب هو النجم القطبي الوحيد، ولم تعد معادلات الأمس صالحة لغدٍ يتشكل على إيقاع جديد. 

اللحظة تفرض الانتقال من شعار التنويع إلى ممارسة التكامل، ومن الهامش إلى القلب.

وهنا، تتجلى كوالالمبور لا كمجرد مدينة مستضيفة، بل كنقطة التقاء استثنائية لثلاث قوى تصوغ معًا ملامح عالم جديد. في هذا المثلث، حيث تتقاطع طرق التجارة، ومفاهيم التنمية، وتيارات الفهم الحضاري، بدأت تحولات القرن تُرسم بهدوء. تحولات لا تُقاس فقط بما سيجرى في القمة، بل بما ستنقله كوالالمبور من معانٍ ورسائل، في طريق لا ينتهي عند البيان الختامي... بل يمتد نحو المستقبل.

 

* صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤون منطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية