يعيش العالم حالة من الفوضى وعدم اليقين والاضطراب في غياب الوفاق الدولي، واتساع التباين بين أقطاب العالم، واشتداد الصراع على النفوذ والهيمنة، وبات واضحًا أن بنية النظام الذي ساد خلال الحرب الباردة وحتى بعد سقوط الاتحاد السوفييتي قد بدأ في الاضمحلال، وعادت الحروب والصراعات المسلحة لتتصدر المشهد العالمي غير عابئة بآثارها المدمرة على الإنسان في كل مكان.
على الصعيد السياسي، بدأت القيم الليبرالية تتراجع حتى في منابتها الأصلية، وتصاعدت فيها الحركات الشعبوية التي تقودها الحركات اليمينية المتطرفة التي تثير قضايا الهوية الغربية في مواجهة الآخر، وشن الحرب على المهاجرين واللاجئين، والمطالبة بتقييد حرية التنقل والعودة إلى نظام الحدود القديم. وأصبح المناخ الدولي مريضًا، خصوصًا منذ دشّنت الولايات المتحدة الأميركية حالة من التجاوز لما بقي من النظام الدولي المؤسس على القانون لضبط سلوك الدول، فأصبح التجاوز والإسراع نحو استخدام القوة هو الأساس.
إن هذا المنطق ليس جديدًا، إلا من حيث استدعاء حيثيات وتفاصيل عصر الغاب التي تأسست على الغزو والاحتلال، بما شكّل رجعةً كبيرةً إلى ما قبل الديمقراطية، وسيادة القانون الدولي، والمد الحقوقي الذي ناضلت من أجله البشرية. وحتى الحروب الجديدة تغيرت وأصبحت صورها تعزّز الهمجية. فنظرة على تاريخ الحروب في القرون الماضية تؤكد أن أسبابها تتراوح بين طموح إلى نشر معتقد، أو احتلال أراضٍ خصبة، أو ثأر لكرامة مهدورة، أو البحث عن مجال لتسويق منتج، أو دفع لخطر متوقع.. وفي جميع هذه الحالات، كانت هناك بعض القواعد وبعض الأخلاق.
فهتلر على سبيل المثال، استثنى سويسرا المحايدة والفاتيكان مركز الدين المسيحي لم يهاجمهما، وتجنب ضرب المدارس والمستشفيات والكنائس والمتاحف قدر الإمكان. أما حروب النظام الدولي الجديد، فهي من دون أخلاق تمامًا. ففي سبيل الاستحواذ وتحقيق مصالح ضيقة، تستعمل أسوأ وسائل الحصار والإبادة وكل الطرق المحرمة من التجويع إلى ضرب المستشفيات والأسواق الشعبية وسيارات الإسعاف وتدمير المتاحف والمعابد، وفي مثل هذا المناخ المريض، فقدت العلاقات الدولية طابعها الإنساني والحضاري، وتحولت إلى كوكتيل من زمن نيرون وهولاكو وقراقوش.