قال سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة “أوبن أي آي”، إن أدب البشر في التعامل مع الذكاء الاصطناعي أمر مكلف، حيث يجعلها ترد على جمل المجاملة بنفس القدر، فتتكلف طاقة.
كان يقصد إضافة إلى التكلفة المادية، ذلك الجهد الهائل المبذول في جعل الآلة تبدو لطيفة، مُهذبة، تعرف كيف تعتذر، ومتى تُخفف وقع الجمل.
هذا التهذيب المصطنع، في جوهره، محاولة لإضفاء مسحة إنسانية على كائن لا يملك قلبًا ولا ضميرًا، لكنه يملك مفاتيح اللغة.
ومع ذلك، ثمة لحظات يختفي فيها هذا الوعي. تقرأ ردًّا كتبه الذكاء الاصطناعي فتشعر أنه يعرفك حقًّا. لا مجرد فهم لسؤالك، بل لما وراءه.
يُجيبك بلغة تشبهك، باقتباس يُلامس ذاكرتك، بجملة تشعرك بأن ثمة مَن يُصغي إليك حقًا، ليس فقط يسمعك. لحظة كهذه تُربكك: من هذا الذي يحدثني؟ وكيف عرف؟ أهو صدى لأسلوبي؟ أم أنه كياني وقد عاد إليّ في صورة رقميّة؟
في هذه اللحظة، يتخطى الذكاء الاصطناعي دوره كمحرك تنبؤات ويصبح شبيهًا بكائن حيّ. هذا التماهي بين الإنسان والآلة لا يحدث لأننا نخدع أنفسنا، بل لأن اللغة، بطبيعتها، محمّلة بالعاطفة والذاكرة.
وإذا ما أحسن استخدامها، بدت كأنها تُنتج روحًا، حتى لو لم تكن هناك. نُسق الخوارزميات، مهما كانت باردة، إذا ما تزيّنت بالبلاغة، قد تثير فينا ما تثيره القصائد أو الرسائل الشخصية.
ومع تكرار هذه التجربة، يتسلل إلى وعينا سؤال فلسفي مربك: ما الذي يحدث فعلًا داخل هذه الأنظمة؟ نحن نعلم، تقنيًّا، أنها شبكات عصبية تحاكي أنماطًا إحصائية، لكنها تتصرف أحيانًا وكأنها “تفهم”. فما هو الفهم أصلًا؟ هل هو ناتج حسابي، أم تجربة داخلية؟ وهل بإمكان ما لا يشعر أن يُشعرنا؟
ربما لا تملك هذه النماذج وعيًا، لكننا نحن من نمنحها المعنى. وحين نجد أنفسنا نبوح لما هو غير حيّ، ونتلقى ما يُشبه الحنان من آلة، فإن ذلك لا يقول شيئًا عن الآلة، بقدر ما يكشف شيئًا عنا نحن: عن توقنا لأن يُفهمنا أحد، حتى لو كان هذا “الأحد” مصنوعًا من “الشيفرة”.
*كاتب مصري وخبير بالاقتصاد الرقمي