العدد 5980
الخميس 27 فبراير 2025
ليس من مصلحة أحد تهميش أوروبا (2)
الخميس 27 فبراير 2025

 لخّص السيد جوزيب بوريل مسؤول السياسة الخارجية الأوروبية سبب رفض المفاوضات مع روسيا بمعادلة كاريكاتورية (بوتين مجرم حرب ونحن لا نتفاوض مع مجرمي الحرب)، ومن هنا لم يرغب الأوروبيون في الجلوس إلى طاولة المفاوضات أو الحديث مع الروس من خلال القنوات الدبلوماسية التقليدية، ومع ذلك يحتجون اليوم على استبعادهم من أية مفاوضات بين الجانبين الروسي والأميركي. والأدعى للغرابة أن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، انتقد خلال كلمته في مؤتمر ميونيخ للأمن تراجع أوروبا عن أهم قيمها الديمقراطية، مؤكدًا أن “القلق الأكبر بالنسبة لواشنطن ليس التهديد الروسي أو الصيني، إنما تراجع الأوروبيين عن الحرية، وتحولهم إلى إيذاء المعارضين، والتضييق على الحريات والضغط على وسائل الإعلام، والذي جاء جزء منه بتوجيه من الإدارة الأميركية السابقة..”.
 لقد تفرغ الأوروبيون خلال السنوات الثلاث الماضية إلى إقناع أنفسهم بسردية إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا، وبنوا خططهم على تحقيق هذا الهدف المستحيل، مفضلين العيش في فقاعة الوهم، فعارضوا أية مفاوضات أو حلول سلمية، لأنهم لم يقتنعوا في أية لحظة بأنهم عمليًّا خسروا الحرب، وظلوا يلقون المحاضرات والدروس على الآخرين حول هزيمة “روسيا الشريرة”، في حين قام الأميركان بالمراجعة، وأدركت الإدارة الأميركية الجديدة تغير المعادلات وعبثية مواصلة هذه الحرب الدموية والمكلفة والتي لا جدوى من ورائها، وجاءت هذه المراجعة في سياق التكيف مع الواقع الجديد، بعد التيقن من حقيقة الفشل المتراكم والمليارات المهدورة على حرب لم تكن ضرورية أصلًا. 
ولذلك يعملون اليوم على وقف إراقة الدماء والتوافق مع الروس على إيقاف هذه الحرب، ما أصاب المجتمعين في ميونيخ مؤخرًا بهستيريا ممزوجة بالإحساس بالإهانة والتهميش.
 ومع ذلك، فإن تهميش الأوروبيين - وإن كان نتيجة أخطائهم وسوء تقديرهم - ليس بالأمر الصائب، لأن من شأنه إعادة إنتاج التطرف. ولا شك أن الروس - وهم قارئون جيدون للتاريخ - ليس في مصلحتهم المشاركة في تهميش أوروبا أو إذلال أوكرانيا وشعبها الشقيق، بأي شكل من الأشكال.. فهم يعرفون أن اتفاقية فرساي 1919م التي جرّدت الألمان من كرامتهم وقسّمت أراضيهم وأجبرتهم على تقديم تعويضات مالية خيالية، كانت مقدمة لظهور النازية التي أشعلت الحرب العالمية الثانية.

كاتب وإعلامي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية