بإجماع الاستطلاعات وآراء الخبراء وأجهزة الاستشعار عن بعد، يقترب دونالد ترامب بأهازيج وضجيج لم يسبق له مثيل من سدة الحكم في الولايات المتحدة الأميركية، المناصرون حتى لمنافسته هاريس توقعوا أن تعلن النتائج قبل نهاية النزال التاريخي، أي بعد أمتار قليلة من كتابة هذا المقال. هاريس لم تيأس وواصلت هجماتها العصبية على منافسها الذي لا يعتقد أن هناك منافسًا له، هو لا يعترف أصلًا بأحقية هاريس في الدخول إلى حلبة المصارعة التاريخية التي تكبرها على حد قوله بكثير، الأيام الأخيرة شهدت شتائم من هاريس وثقة زائدة بالنفس من ترامب، شهدت هجومًا ضاريًا من السيدة الديمقراطية على السيد الجمهوري، ولم يشهد أحد على برنامجها الانتخابي، وكل ما تعلن عنه مجرد خيالات وعواطف وشحن لأشجان مناصرين.
ترامب كان محددًا في قضاياه الوطنية وعلاقاته الخارجية، كان صارمًا إزاء غزة ولبنان وأوكرانيا، ووعد بوقف هذا الصراع فورًا، هاريس لم تختلف كثيرًا عن سلفها بايدن الذي وضع نفسه داخل ثلاجة ولم يتحرك له ساكن منذ السابع من أكتوبر 2023، وترك نتنياهو وحده ليعيث في الأرض حرقًا وتدميرًا وقتلًا للأبرياء وسفكًا للدماء. الملفات الداخلية وأهمها ملف الهجرة غير الشرعية حسمها ترامب، قطع الطريق على معارضيه، وذهب بنفسه إلى الحدود مع المكسيك ليقيم الحدود، لم يخجل من رؤيته ولم يعد بما هو خارج عن طوع يديه، تحدث عن الاقتصاد بمنطق الفائدة والضرائب، بآلية العرض والطلب واستنفار قوى الصناعيين ليكونوا ظهيرًا داعمًا في الخفاء والعلن.
إيلون ماسك ظهر بجواره قبل أن يتوارى في أعماله، في المقابل أسرعت هاريس إلى بيل جيتس لاستجداء دعمه، لكن يبدو أن الحسم لم يكن في يد أشباح التكنولوجيا الفائقة، ولا في أموال أساطيرها الذين غيّروا العالم من دون أن يلعبوا دورًا سياسيًّا مهمًّا، هم هارفارد وديوك، وستاتفورد وبرينستون ومعهد إم آي تي، وهم الذكاء الاصطناعي والعالم الافتراضي، والدنيا الغامضة من حولنا.
أما الانتخابات الأميركية فهي شيء آخر، أعلى قمم الديمقراطية وأكثرها أثرًا على حركة الكون والكواكب والنجوم، هي الحرب والسلام، الجريمة والعقاب، الوجود والعدم، لذا لن يكون أمام العالم حديث خلال الأسابيع القليلة القادمة سوى الانتخابات الأميركية من سيفوز أو من فاز يا ترى؟ شكل الدنيا مع ترامب أو هاريس، الحرب الإيرانية الإسرائيلية والحروب المولودة سفاحًا في غزة والضفة ولبنان وسوريا بالوكالة؟ الملفات بعد الانتخابات واليد الطولى إذا فاز ترامب، و”المتنحية” لو فازت هاريس، القوة الواحدة أمام القوى المتناثرة الصغيرة، الحسم في مواجهة التردد والأساليب الإنشائية الديمقراطية التي لم يعد يصدقها أحد.
الاقتصاد الأميركي عندما يكون في قبضة رجل أعمال بناتج إجمالي هو الأعلى في الكون “32 تريليون دولار” سنويًّا متجاوزًا الصين بمقدار الضعف تقريبًا، أما هاريس فليس لديها سوى الوعود، الحديث مع وعن الفقراء، والذين غالبًا لا يصوتون، ترامب يتحدث ببراعة مع كبار السن وهم الذين يصوتون ويحرصون على الذهاب بانتظام لصناديق الاقتراع، وعلى الوفاء بوعودهم التي قطعوها على أنفسهم، رغم ذلك بدأت استطلاعات رأي متناثرة تتحدث عن تعادل بين المتنافسين، وهنا بدأت ماكينة الدستور تتحدث عن حسم مجلس النواب للفائز، والمجلس أصبح جمهوريًّا في غفلة من الديمقراطيين بعد أن كانوا مسيطرين عليه لسنوات طويلة.
بالنتيجة، لم يبق من زمن الخيال العلمي سوى أيام معدودات، قبل أن يتضح الخيط الأبيض من الخيط الأسود، ويخرج أي منهما من شرفة المكتب البيضاوي ليعلن أنه الرئيس لمدة أربع سنوات قادمة، مكتب بيضاوي على غرار دخان النافذة الباباوي عندما يختار حكماء الكاردينال بابا الكنيسة الكاثوليكية مع الفارق الديني والسياسي طبعًا، النفس الأخير رغم فارق العمر يميل لصالح ترامب، فلا ليت الشباب يعود يومًا لديه حيث إرادة الحياة أقوى وبريق المكتب البيضاوي أروع، ورئاسة العالم رغم كوارثه مثيرة وخطيرة ولنا الله.
* كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية