على طريقة المعلقات في الشجن العربي القديم، وبعيدًا عن خصوصيات التاريخ الحافل بالمآسي والملاحقات، كان لابد من تصحيح ما حدث، وليس التعليق على ما حدث، الكاتب والراوي، المعلق والمؤرخ، المفكر والناقل للفكر، جميعهم.. جميعهم يحاولون السباحة ضد تيار مفقود، وباتجاه رياح تأتي بما لا نشتهي دائمًا.
مستشار مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام المصرية الدكتور نبيل عبدالفتاح في كتابه “أزمة العقل العربي الجريح”، وتعليق الشاعر جرجس شكري المنشور في مجلة الإذاعة والتلفزيون على الجرح الغائر العميق، أيهما أو كلاهما فكر في الإبحار إلى ما تحت سطح سلطة الصورة في مشاهد غزة الدامية، إلى ما هو أبعد من الجدار العازل بين الموت والحياة، إلى ذلك المعبر المختطف، كل ذلك اختلطت فيه مشاعر النبوة الأولى، بتراشق النيران حول مآرب الرمق الأخير، كل لم يغن على ليلاه، وكل لم ينشد أفلاطونياته في زخم الإبادة الجماعية وإزهاق الأرواح في الأبدية، لكن شكري وعبدالفتاح كانا يناشدان الخير.. كل الخير، وكانا يرميان بغير رام في مستهل دعوتهم المباحة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه لشعب فلسطيني غزاوي أعزل، ومن أيدي ذئاب الزمن الرديء المدعومين بأمم معرفية جرارة، وشعوب افتراضية سيّارة، وحالات لم تصعب على الكافر أو على من يدعون أن سلطة الصورة لا سلطان لها أو عليها، وأن حُكم القدر لا يصح ولا يستقيم في أزمنة الدفاع الشرعي عن الأرض المهجورة. عبدالفتاح وجرجس، نخرا في حائط مبتل بدماء الشهداء، واشتركا في الحفر تحت جدار “الأقصى” ليس بحثًا عن “الهيكل”، إنما سبرًا لأغوار معرفية للمشهد. كل ما نحن فيه، ليس مجرد حرب بين صاروخ وجلباب، أو بين ذكاء اصطناعي وغباء طبيعي، أو حتى بين حضارة آفلة وأخرى تدعي الخلود، لكنها بين ما كان يمكن تحقيقه ولم يتحقق، وما يمكن التنازل عنه ولم يتم.
لا العرب متغاضون عن الحق، ولا الإسرائيليون معترفون بهذا الحق، لا حماس تريد أن تعتزل البندقية، ولا الأعداء الجدد يتخلون عن شهوة القتل وسفك الدماء.
شكري أو جرجس وعبدالفتاح يسعون لإلقاء المسؤولية كاملة على المعرفة التكنولوجية، على حق السبق في إدارة شؤون الكون افتراضيًا أو اعتباطيًا، والحق يُقال ان لديهم الحق كل الحق في ذلك، فحرب غزة ليست بين من يملك القوة المفرطة ومن لا يمتلك حتى خبز يومه، وليست بين أمة مهيضة الجناح ضعيفة التسليح والتسلح، وأخرى تمتلك كل ما لذ وطاب من ماكينة إزهاق الأرواح وسفك الدماء واغتيال الأطفال.. كل الأطفال، المسألة أكبر وأعمق من صورة أصبحت لها سلطة في مشهد، أو يقين أصبح لديه دليل الإدانة الوحيد لدولة أمام العالم الصامت إلى حين.
كل شيء.. كل شيء بات مغضوبًا عليه، تخلفنا عن ركب التكنولوجيا ووصولنا متأخرين كثيرًا عن نعمة “الأون لاين” من بعيد، وجلوسنا على مقاعد المتفرجين نتفكر في خلق السماوات والأرض، وننسى خلق الإنسان الذي يعيش بين المسيرات تحت السماوات العُلا، وفوق الأرض المحروقة.
هشاشة الصورة أو اهتزازها لم تصنعه يد مرتعشة وهي تلتقط المشاهد على استحياء أو تحت تهديد الخراب الكبير، لكن صنعته آلة اصطناعية تحاول تحويل الظالم إلى مظلوم، فتحرك الكاميرا الصيادة نحو الهجوم الحمساوي على المستوطنات في السابع من أكتوبر لكي تثبت للعالم أن رد الفعل كان طبيعيًا، وتحوِّل المظلوم إلى ظالم عندما تأتي بفئران التجارب لتعيث في المشهد المأسوف عليه فسادًا، وتؤكد أن مشاهد طوفان الأقصى في بكارة إحداثياتها كانت حقا لا يُراد به باطل، بينما ما حدث بعد ذلك لم يكن هو الباطل الذي يصادر علينا جميع الحقوق.