كما أشرنا في الحلقة الأولى، خرجت الولايات المتحدة، إلى جانب قوى الحلفاء تحت قيادة بريطانيا العظمى والولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، منتصرة على قوى المحور في الحرب العالمية الثانية. واستفادت الولايات المتحدة، في عهد الرئيس فرانكلين روزفلت، أكثر من غيرها من هذه النتيجة. وكان هذا التفوق انعكاسا طبيعيا للازدهار الشمولي الذي ميز الولايات المتحدة على جميع المستويات.
وكي ننتقل من التوصيف العمومي لهذا الازدهار، كما أشرنا في الحلقة الأولى من سلسلة المقالات هذه، إلى التشخيص الملموس لكل مظهر من مظاهر هذا التفوق، ينبغي رصد سمات التقدم في المظاهر التالية:
على المستوى العسكري
1. بناء الترسانة النووية: كانت الولايات المتحدة هي الدولة الأولى والوحيدة، في تلك الفترة، التي تستخدم القنابل الذرية في الحروب (هيروشيما وناغازاكي، 1945). وفي مرحلة لاحقة، أدى سباق التسلح ضد الاتحاد السوفيتي إلى مخزون كبير من الأسلحة النووية بحوزة واشنطن.
2. الإنفاق الدفاعي والتكنولوجيا العسكرية: تضخمت ميزانية الدفاع الأميركية بشكل كبير، ودعمتها البحوث المتقدمة في التكنولوجيا العسكرية، وتطوير أنظمة أسلحة في غاية التعقيد والفعالية، بما في ذلك الصواريخ الباليستية العابرة للقارات (ICBMs)، والطائرات النفاثة، وفي وقت لاحق، تكنولوجيـا التخفــي (Stealth Technology).
3. الوجود العسكري العالمي: أنشأت الولايات المتحدة شبكة عالمية من القواعد العسكرية، ما يضمن وصول جيشها ونفوذه العالمي.
الرقي الثقافي والفني
شهدت حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية نهضة ثقافية أميركية تمظهرت على المستوى الدولي في الحقول الفنية التالية:
1. الموسيقى والرقص: أظهر انفجار موسيقى الجاز، والروك أند رول وأنواع الموسيقى الحديثة، بقيادة شخصيات بارزة مثل إلفيس بريسلي وبوب ديلان، التي روجت لها، الديناميكية الثقافية الأميركية المتطورة.
2. الأدب والترجمة: شهدت الفترة ازدهارا للأدب الأميركي مع مؤلفين مثل إرنست همنغواي، وف. سكوت فيتزجيرالد، وفي وقت لاحق، ظهور جيل في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، تمرد جيل جديد من الشعراء ضد تقاليد الحياة والكتابة الأميركية السائدة. أصبحوا معروفين باسم (the Beat Generation)، الذين عرفوا بـ “الشعراء البيتيون”. وهو اسم يثير التعب، والإحباط، والإيقاع تحت مقطوعة موسيقية، والروحانية المبهجة. ومن أشهرهم (Allen Ginsberg, Lawrence Ferlinghetti, Gregory Corso, and Gary Snyder). كما أصبحت الولايات المتحدة مركزا لترجمة ونشر الأعمال الأجنبية.
التفوق الاقتصادي
شهد الاقتصاد الأميركي نموًا غير مسبوق، وأصبح حجر الأساس للنظام الاقتصادي العالمي، وكانت أبرز مرتكزاته:
1. نمو الناتج المحلي الإجمالي: شهد الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة نمواً هائلاً، ما جعلها أكبر اقتصاد في العالم. وساعدت خطة مارشال في إعادة بناء أوروبا، وتعزيز النفوذ الاقتصادي الأميركي.
2. التجارة العالمية والدولار: أصبح الدولار الأميركي العملة الاحتياطية الرئيسة في العالم، والتي تم إنشاؤها من خلال اتفاقية بريتون وودز. وقد سهلت هذه الهيمنة التجارة والاستثمار الدوليين، ما عزز الوضع الاقتصادي للولايات المتحدة.
الهيمنة المالية
شهد القطاع المالي الأميركي نموًا وتأثيرًا كبيرين. وانعكس ذلك إيجابًا على صعيد النفوذ الأميركي العالمي. وتمظهر ذلك في الأنشطة المالية التالية:
1. بورصة نيويورك (NYSE): نمت بورصة نيويورك من حيث الحجم والتأثير، لتصبح أكبر بورصة في العالم من حيث القيمة السوقية.
2. البنوك والاستثمار: أصبحت البنوك والمؤسسات المالية الأميركية مثل جي بي مورغان وجولدمان ساكس (J.P. Morgan and Goldman Sachs)،لاعبين مركزيين في التمويل العالمي، ما أثر على السياسات الاقتصادية واستثمارات الشركات في جميع أنحاء العالم.
النهضة التعليمية
اجتاحت الولايات المتحدة طفرة في التعليم العالي والبحث العلمي، عبرت عنها:
1. الجامعات: قادت مؤسسات مثل جامعة هارفارد، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وجامعة ستانفورد البحث العلمي والتطوير عمليات التطور العلمي الأكاديمي. ونجحت في جذب المواهب على مستوى العالم.
2. مشروع قانون ( BillGI): ساعد هذا المشروع، منذ العام 1944، في تأهيل المحاربين القدامى وأفراد أسرهم، من خلال مساعدتهم على دفع كل أو بعض تكاليف أقساط كليات الدراسات العليا وبرامج التدريب. فساعد مشروع قانون الجنود الأميركيين العائدين من معارك الحرب العالمية الثانية على مواصلة دراساتهم، مما أدى إلى توسيع القوى العاملة المتعلمة، والمؤهلة.
3. تطوير المناهج الدراسية: أدى التركيز على تعلم العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM) إلى إعداد جيل مؤهل للتقدم في مختلف المجالات العلمية.
الطفرة الاجتماعية
وكان توسع الطبقة الوسطى في الوظائف ذات الأجر الجيد يعني أن هناك المزيد من الناس لديهم المزيد من المال لإنفاقه، والذي استخدموه لشراء الكماليات الاستهلاكية. وعلى نحو مماثل، اندمجت اثنتين من أكبر النقابات العمالية، الاتحاد الأميركي للعمل (AFL) ومؤتمر المنظمات الصناعية (CIO)، وبدأتا في تنظيم عمل صناعي واسع النطاق، ما أعطى العمال أجورًا أفضل، وبالتالي المزيد من الأموال لإنفاقها، الأمر الذي كان من شأنه تسريع دورة رأس المال في الأسواق المحلية.
كما وفرت هذه الموجة من النزعة الاستهلاكية فرص عمل للعائدين من الخدمة العسكرية. وكان العامل الرئيس الذي منع نحو 15 مليون من قدامى المحاربين الأميركيين من مواجهة البطالة عند عودتهم هو مشروع قانون الجنود الأميركيين للعام 1944 (المعروف اختصارا “BillGI”).