التاريخ يعيش عشرات المرات، ولا يعيش فقط مرتين، يعيد نفسه نعم، يكرر شخوصه وأحداثه ربما، لكنه يكتب هذه الأحداث بأحرف من نور، بضوء لا يخطئ ضالته المنشودة، بإشعاع لا يتناقض مع أدبيات اللحظة، لذا كان معرض القاهرة الدولي للكتاب في نسخته السادسة والخمسين مقصدًا لجميع المبدعين، وبازارًا لجميع المتسوقين، ومزارًا لكل من يسعى إلى مقصد سياحي ثقافي جميل.
هكذا بدا المعرض على "السوشال ميديا"، وهكذا بدت الشخصيات المؤثرة فيه بحركتها الوجودية وهي مفعمة بالحب الكبير، والود منقطع النظير، والمشاركة الإيجابية في كل ندوة، وكل ملتقى، في كل ملمح وكل منصة. كان المعرض قاعة استقبال فسيحة للمبدعين والمثقفين العرب، أوبرا متعددة الأغراض لكل من يحاول أن يقدم عرضًا موجزًا عن عمل مكتوب، عن رؤية فاحصة لكل من كانوا يتابعون على أرفف دور النشر العملاقة. نحو أربعة ملايين كتاب تم عرضها في المعرض خلال أسبوعين، وكانت المبيعات أكبر من مستوى التحديات، والإقبال أكثر صداقة وحميمية مع الثقافة بعد أن أصبح الوضع الاقتصادي غير قابل للتوأمة مع الناس. معرض القاهرة الدولي للكتاب طالما تمنيت أن أشارك به وجوديًا، بعد أن شاركت فيه بثمانية دواوين شعرية، وكان من المفترض إضافة ديوانين جديدين، لكن حالت الظروف، وموانع الجغرافيا من أن يكون لي تواجد تمنيته منذ سنوات ولكن قدر الله وما شاء فعل. ويبدو أن المعرض سيغلق أبوابه في السادس من هذا الشهر، أي اليوم الثلاثاء، من دون أن تكون لي مساهمة تذكر، يتحدث عنها الأصدقاء أو بعض الزملاء، أو قليل من النخب التي أصبحت تفكر في نفسها أكثر من أي شيء آخر. هذا هو وضع المثقف في بلادنا، تفكير عميق داخل بوتقة ضيقة اسمها الأنا العظمى، عندها لا توجد أية مساحة للتفكير في أي مخلوق سوى النفس الأمارة بكل شيء، سوى الرهان على جائزة من هنا وأخرى من هناك، سوى كلمة شكر من مبدع كبير على عكازين، أو من مؤسسة خيرية خارج الحدود الهلامية المتحركة، كل ذلك التقيت به من خلال "السوشال ميديا" جزاها الله كل الخير، وكل ذلك وضعني في مصاف المتفرجين الذين اكتفوا بالتصفيق لمشهد دراماتيكي مؤثر، أو للقطة كوميدية هائمة بين جمهور المشاهدين.
معرض القاهرة الدولي للكتاب حدث عالمي على أرض الكنانة، وموقع مثالي في منطقة التجمع الخامس التي قيل إنها لا تتسع إلا للأثرياء، وها نحن اليوم نختتم المعرض مغادرين مدينة الأحلام، وعين كل منا على كتاب، والعين الأخرى على موطئ قدم داخل المنطقة الساحرة.. لعل وعسى.
كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية