تزامنًا مع معرض القاهرة الدولي للكتاب، وتزامناً مع أكثر من ثلاثة ملايين عنوان، عثرت من خلال تواصلي الاجتماعي عن كتاب يحمل اسم "أساطير شخصية" للصحافي والروائي محسن عبدالعزيز، وجدت على الغلاف صورا لشخصيات تاريخية، لزعماء، وروائيين، ومفكرين، وشعراء بارزين، ووجدت من بين ما وجدت نوادر تحمل دراسات نوعية وبحوثا لم يسبق لها مثيل، وقصصا عفا عليها الزمن لكنها لعبت دورًا كبيرًا في تحديد شخصية صاحبها، بل وفي رسم مستقبل حياته. تصرف وحيد ربما منذ الطفولة لكنه حفر مجراه على جبين صاحبه، وكان له أكبر الأثر في إظهار ملامحه بالشكل الذي أصبح عليه بعد ذلك.
أهم وأخطر القصص هي تلك التي عثر عليها محسن عبدالعزيز بين ركام الذكريات، وتحت غبار السنين البعيدة لتصرف غريب من الزعيم الراحل جمال عبدالناصر عندما كان تلميذًا في الصف الأول الابتدائي، بالتحديد بعد أن وجه الأستاذ سؤالاً للطلبة لكنه توعد الذين لن يجيبوا عليه بالعقاب ضربًا بالعصا على ظهر اليد، لم يجب أحد على السؤال باستثناء الزعيم جمال عبدالناصر، والذي أجاب بوضوح ودقة وعلم وثقة بالنفس، فقال الأستاذ للزعيم: إذا أنت الذي ستضرب كل الفصل بالعصا على ظهر يد كل منهم، كنوع من المكافأة له، ولكن جمال رفض أمر المدرس، فإذا بالمدرس يواصل عناده مع الزعيم: إذا لم تضرب كل تلميذ من زملائك بالعصا مرتين على ظهر يده فإن الصف بالكامل سيقوم بضربك على يديك، ولكن الطفل الصغير استمر في رفضه، فإذا بالمدرس يأمر زملاءه بضربه، وقد تحمل الزعيم الصغير ألم الضرب على ظهر اليد بعصا غليظة من كل زملائه. عند هذه النقطة يبدأ محسن عبدالعزيز البحث عن كيفية تحمل جمال عبدالناصر في طفولته ألم الضرب، وكيف أنه رفض ما وافق عليه زملاؤه، كيف كان يحترمهم ويحافظ على كرامتهم، بينما تصرف الزملاء بشكل طبيعي جدًا ولم ينتبهوا إلى مغزى العقاب الذي يهين الطالب على خطأ لم يرتكبه.
هنا بدأت تتشكل شخصية الزعيم، وهنا بدأ محسن عبدالعزيز التقاط طرف الخيط ليكتشف أهم الخصال التي شكلت قرارات جمال عبدالناصر عندما اشتد عوده منذ قيادته الفرقة العسكرية في الفالوجا خلال الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948، ثم كيف قاد من خلال عدد محدود من "الضباط الأحرار" ثورة يوليو 52، وكيف تحمل الكثير من أجل أن ينتصر في حرب 1956 على ثلاث دول كبرى، بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، ثم كيف قام بإعادة بناء بلاده رافعًا شعار "ارفع رأسك يا أخي أنت عربي"، معلنًا وشاهرًا سلاح الكرامة في وجه العالم كله، ومذكرًا أن الموت بكرامة أهون من الحياة بدونها.
وتمادى عبدالعزيز في رصد أول الحياة لأعظم الشخصيات التي كتبت تاريخ مصر بأحرف من نور، وامتد تأثيرها للأمتين العربية والإسلامية، حيث إن حالة جمال عبدالناصر لم تكن الوحيدة التي استسلمت للرصد، ولم يكن تعدد الشخصيات إلا جزءًا من عصر وملمح للمؤثرين فيه، وتحريضًا على ربط أول التاريخ الشخصي لأهم محطاته الآثرة.
ظهرت في الكتاب أيضًا شخصيات مؤثرة أخرى مثل الموسيقار محمد عبدالوهاب، والشاعر أحمد شوقي، والأديب العالمي نجيب محفوظ، والمفكر الكبير توفيق الحكيم، و.. استقرت نظرية الزميل المغامر بتجربته الفريدة إلى مفترق طرق مفاده أن البدايات الصغيرة تقود إلى النهايات العظيمة.
كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية