العدد 5579
الثلاثاء 23 يناير 2024
إدارة السمعة!
الثلاثاء 23 يناير 2024


مجرد صدفة جمعتني بإحدى الشركات الأميركية التي تعمل في مجال "إدارة السمعة"، ربما تكون تلك المرة الأولى التي نسمي فيها الأشياء بأسمائها، وأن لا نلف وندور حول الحقيقة ونخشى التلامس معها، وربما يكون الاسم الحقيقي لتكوين صورة ذهنية عن أنشطتنا وحياتنا، هو الذي كنا نحتاج إليه. لا يهم إذا كان الأميركيون قد سبقونا إلى الاسم، فالسبق على ما يبدو سيظل لسنوات بعيدة إلى الأمام لهم، وضربة البداية مثلما هو واضح للعيان تم إقصاؤنا عنها ربما لأجل غير مسمى، أيضًا لا يهم، المهم أن نتعاطى مع العنوان، "إدارة السمعة"، كيف يا ترى ندير سمعة مؤسساتنا، كيف نثبت هذه السمعة أو نغيرها، كيف نطورها أو نُحسن من الأجواء المحيطة بها؟ الأسئلة كثيرة ومثيرة، وتفرض طريقة تفكير جديدة، خصوصا أن الشركة الأميركية المذكورة كانت تتحدث عن الصورة الذهنية، عن طريقة تركيبها في العقل العربي، وعن آلية تشغيلها من خلال الذكاء الاصطناعي.
الشهادة لله أنني لم أفهم كيفية التشغيل والتركيب والتثبيت والتحويل والترميم من خلال الذكاء الاصطناعي، ورغم ذلك تماديت في الأسئلة وبدت أسئلتي وكأنها مضحكة أو كأنني من عالم آخر، لكن الأكيد أنني لم أكن سوى نفسي، أفكر بطريقة قومي وأتحدث لغتهم، وأعيش معاناتهم، وأتحمل ما يتحملونه عن طيب خاطر وظهر قلب. ما يشجعني على التواصل مع أصدقائنا المتأمركين أنهم من أصول عربية، وأنهم لم يفقدوا هويتهم أو اهتمامهم بالمنطقة، شخصية مصرفية التقيت بها صدفة في سرادق عزاء، الشخصية كانت تعتلي أعلى منصب تنفيذي في أحد المصارف العربية المرموقة، عندما قدمه إليّ أحد الزملاء بادرته بالقول: ولماذا لم نلتق طوال هذه السنين؟ فإذا به يرد بمنتهى الجفاء والاستغراب، وكيف يمكن أن تلتقي بي؟ أنا لم يرني أحد طوال فترة رئاستي؟ تركت الرجل وفي رأسي بركان ثائر، كيف يا ترى يمكن لرئيس تنفيذي لأحد أكبر المصارف العربية أن يخفي نفسه لعدة سنوات، والمصيبة أنه يتباهى بذلك؟. 
الكارثة أن مصرفه مسجل في البورصات العربية، كشركة مساهمة عامة، أي أسهم المصرف تعود ملكيتها للقطاع الخاص وبعض الحكومات في آن، هذا يعني أن الإفصاح ضروري وقانوني، ومن يختفي من الإدارة عن أعين الناس تحاسبه الناس، ومن يرفض الظهور في أجهزة الإعلام فإنه يكون قد أغفل دورًا مهمًا من أدواره لتثبيت أو توضيح الصورة لإدارة السمعة وتسويقها، لطمأنة جمهور المساهمين على الأقل بأن أحوال مصرفهم على ما يُرام، وأن سمعة هذا المصرف جديرة بأن يكونوا مساهمين فيها ويحملون أسهمها، بل ويحرصون على الاحتفاظ بهذه الأسهم.
تركت سرادق العزاء وأنا أسأل: ألهذا الحد يحاول بعض المسؤولين التباهي بإخفاء أنفسهم عن الناس؟ وإلى هذا الحد يصرح زميل له قبل بضعة سنوات، ولي أنا شخصيًا، قائلاً: أراهنك لو وجدت لي تصريحًا في صحيفة أو فضائية أو موقع إلكتروني منذ أصبحت رئيسًا للمصرف حتى الآن؟ بالتأكيد لقد كسب هذا الشخص الرهان لأنه لا يهمه رأي الناس في مصرفه، ولا يعنيه موقف المساهمين منه أو من أداء ما يمتلكون في المنظومة الاقتصادية المأسوف عليها.
تركت الرجل والتقيت بالأميركان وأنا أسأل نفسي، أية سمعة تلك التي نحاول أن نديرها، ومازال بيننا من يخشى ويكره ويتعالى على الإعلام؟ وأي قانون ذلك الذي يعمل من خلاله بعض الدخلاء على أنشطة تعتمد في تقديرات الصناديق الدولية ومؤسسات التصنيف العالمية عنها على الإفصاح، على الوضوح، وعلى إدارة السمعة؟.

كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية


 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية