العدد 5568
الجمعة 12 يناير 2024
نداء أدونيس الأخير
الجمعة 12 يناير 2024


لو يسمح لي شاعرنا العربي الأصيل أدونيس أن ألقب هذا النداء باسمه كونه يتصدر في النداء قائمة تضم 45 مثقفًا عربيًا يمثلون التيارات الوطنية القومية على تشتتها وإشكاليات اندثارها، لو يسمح لي الأستاذ الكبير علي أحمد سعيد بأن أُسمي الأشياء بأسمائها، وأن أُطلق ألقاب اللحظة من أقفاصها، وألا أزيد الطين بلة، ففينا ما يكفينا ولدينا من الأحزان والهزائم ما يندى له الجبين.
نداؤك ومثقفينا العرب يا سيد المستحيل في الذكرى السنوية التاسعة والخمسين لانطلاق الثورة الفلسطينية التي انتحلت لقب الثورة عنوانًا للمقاومة، نداؤك يحمل في طياته الكثير، ويحملنا وزرًا ما كان منه مفر لكي نعترف به ليؤدي كل منا واجبه مع المقاومة، لينضم أي منا نحو ما يروق له من فضائل الدفاع الشرعي عن النفس، ليشارك البعض منا أشقاءه الشهداء في غزة لذة الموت، ومتعة الضياع، وإرهاصات النداء الأخير. لقد كتب أدونيس العريضة ووقع عليها من دون تردد كبار الشعراء والروائيين والباحثين العرب، بعضهم من فشل في كتابة قصيدة رثاء لأحوالنا وشهدائنا، وبعضهم من أعلن تقاعده بعد تقاعسه عن الكتابة من أجل المؤازرة في يوم الثورة حيث لا يوم ولا ثورة، وبعضهم جاء متطوعًا من أقصى الجنوب الفرنسي أو أدنى الشمال البريطاني ليطبع توقيعه الكريم على نداء لا أحد يعرف حتى اللحظة إذا ما كان قد وصل أم أنه ضل الطريق مع ساعي البريد.
النداء الأخير وهو يلفظ أنفاسه كان يتمتم بثلاثة مطالب:
الأول: المطالبة بحوار وطني شامل بين فصائل العمل الوطني والقوى الشعبية والمدنية لإنهاء حالة الانقسام التي تمزق الشعب الفلسطيني وإعادة الوحدة إليه، وفتح الباب أمام ما أطلقوا عليه اجتراحًا لرؤية برامجية مشتركة تدعو إلى التحرر الوطني، وتعظيم الموارد الكفاحية الذاتية التي يحتاج إليها النضال الفلسطيني من أجل التحرير والعودة وتقرير المصير، هو ما يمكن أن يكون القصد منه التوافق على خطة عمل لترتيب الأولويات والأهداف بما تسمح به الإمكانات المتاحة من دون تفريط في الجوهر من الحقوق الوطنية والتاريخية الثابتة.
الثاني: إعادة بناء مؤسسات العمل الوطني الفلسطيني وتأهيلها وأولها إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على قواعد من التوافق الوطني والنظام الداخلي الديمقراطي عن طريق توسعة إطار العضوية فيها لالتحاق فصائل فلسطينية جديدة بها، وتصحيح التمثيل السياسي في أطرها المركزية من مجلس وطني، ومجلس مركزي ولجنة تنفيذية، بشرط أن تتم إعادة ترشيح مرجعية منظمة التحرير بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ومنع مزاحمة أي جسم سياسي آخر لها.
أخيرًا: إنهاء ارتباط الساحة الوطنية الفلسطينية بأحكام "اتفاق أوسلو" المشؤوم والعودة إلى المشروع الوطني، من خلال إعلان منظمة التحرير رسميًا تحللها من التزاماتها تجاه اتفاق تحلل منه الاحتلال منذ السنوات الأولى لتوقعيه، حيث طالب البيان بالاستفتاء على هذا المطلب داخل فلسطين لتمكينها من تقرير مصيرها.
هكذا كان النداء الأخير للمثقفين العرب متفائلاً، وهكذا كانت تمتماته الأخيرة مقطوعة الأنفاس، وهكذا كان الإيمان بما مضى راسخًا، ربما تعود المياه إلى مجاريها، وربما يكون المثقفون العرب أكثر واقعية من الجماعات الراديكالية، وربما ينصت "حكام غزة" الجدد ويعترفون أنه مازال لدينا نبض تحت الأنقاض، ومازال النبض يتحدث بكل لغات العالم، لا تغيثونا ولكن ارحمونا.

كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .