رغم كثرتهم على وسائل التواصل، إلا أن نسبة المتابعين لهم تراجعت بشكل ملحوظ ونحن نودع عاما ونستقبل آخر، اختفى المنجمون "ولو صدقوا"، أو "ولو صدفوا"، رغم صولاتهم وجولاتهم في الأزقة والقرى والمدن والحارات الشعبية، لم تكن لهم اليد الطولى في كشف المستور، أو فضح الغيب، أو الاعتداء على المخفي من أحداث، لم يفضوا بكارة المستقبل رغم هشاشته، ولم يقرأوا الماضي رغم وضوحه، ولم يتنبأوا بالأحداث رغم التصريح والتلميح وانتشار ما يسمى بـ "الإعلامي الفصيح". انتهى عام 2023 من دون كوارث على الأبواب، ولا مصائب أقرب من المجهول، ولا أحراز ينبغي فكها، أو أحزان أغزر دموعًا مما كنا فيه، عام 2024 جاء محملاً بغموض لم يسبق له مثيل، بانكشاف غير مسبوق على الدهاليز الإلكترونية، وعلى الثورة الرقمية، وعلى التنبؤات عبر الذكاء الاصطناعي وليس عن طريق عرافة لبنان المقدسة ليلى عبداللطيف.
الأديبة الزميلة والإعلامية دكتورة صفاء النجار ارتطمتُ بمقالها المهيمن على "الفيس بوك" صباح يوم أمس الأول، قرأته مستهلاً يومي الطويل، وأعمالي المعطلة منذ عام 2023، دخلت معها حول أسطورة "نوستراداموس" الفلكي الفرنسي الذي تنبأ بالثورة الفرنسية وانهيار أنظمة، واحتلال هتلر نصف العالم. عادت بي الذاكرة إلى الفيلم الهوليوودي الشهير "ثلاثية نوستراداموس" الذي تنبأ بما حدث في مركز التجارة العالمي من تدمير عبر أحداث سبتمبر 2001، وعدت إلى تلك الأحداث وقلبي محمل بالخوف والقلق على ما بعد سبتمبر الأسود، وبعد أكتوبر الأبيض، فوجدت أن ما بين العام 2001 والعام 2023، نحو 22 سنة، وما بين شهري سبتمبر وأكتوبر حوالي 30 يومًا، وما بين يوم 11 ويوم 7 أربعة أيام، أي أنه ما بين أحداث سبتمبر 2001 وأكتوبر 2023، نحو 22 سنة وشهر وأربعة أيام، تزيد أو تقل حسب الهدف من الرصد، هل تنبئ بحرب أوسع بعد غزة، أم بانقلابات شرق أوسطية بعد تنبؤات ليلى عبداللطيف؟
لا يهم، المهم أن المنجمين خصصوا حسابات الفلكيين، لقراءة المجرات، لغروب الشمس وظهور النجوم، لشروق الفجر وحركة الغيوم، لم يظهر لنا منجم متعال على شاشات التلفاز، لم تتعجرف السيدة بسنت يوسف علينا وهي تتنبأ عن الأبراج، لم ينتظر مواليد برج الأسد نصرًا مبينًا على ثعلب مكار، ولا وليمة أعدتها له زوجته قبل أن يعود من رحلة صيد فاشلة مع أشباله المتنمرين، ولم يحمل الدلو مياهًا كثيرة حتى يطفئ نيران الكواكب الملتهبة، ولا البراكين الثائرة، ولا التسونامي الهادئ مع الخلايا الأخرى النائمة.
رغم اختفاء المنجمين ليلة رأس السنة عادوا وظهروا على وسائل التواصل بعد أن قضوا عطلة أعياد الميلاد بلا عمل، بلا كيد في الناس، ولا إرهاب للمشاهدين، ولا نفخة على المؤمنين، انتشروا كما النار في الهشيم، بدأوا يتحدثون عن الأسبوع الأول من العام الجديد، والأسبوع الأخير من الشهر البديع، بل إن بعضهم انبرى ليذهب إلى الربع الأول من السنة، والبعض الآخر تخصص في الربع الثاني، بعضهم أدمن القراءة من الكف والفنجان اللذين مازالا يسيطران على تقاليد الشارع الفلكي، والقاسم المشترك الأعظم ذهب إلى التاروت ليقرأ الورق ويفسر المناظر ويربطها بالنجوم والكواكب وطبيعة البرج المرصود.
في جميع الأحول عاد المنجمون إلى حيث بدأوا، وانتهت نبوءاتهم من حيث جاءت، وذهب الجميع لعام 2024 ولم تكن في أيديهم سوى سلام أخير من أعوام سعيدة، وكل عام وأنتم بخير.
كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية