العدد 5533
الجمعة 08 ديسمبر 2023
فن الهروب من المشاكل
الجمعة 08 ديسمبر 2023

مثلما لا تخضع الأفعال والتصرفات على المسرح اللامعقول للفعل ورده، كما يحدث في حياتنا اليومية، إذ إن علاقات الناس ببعضهم كما يراها اللامعقول مفككة لا تقوم على الالتزام والارتباط المتعارف عليه، إذ إن اللامعقول يتوغل بالعالم الخاص للفرد، كذلك الحال في التجريدية في الفنون التشكيلية، ودائما ما تستوقفني اللوحات التجريدية في معارضنا ليس كمذهب فقط، إنما لجاذبيتها وتأثيرها في نفس المتلقي بخطوطها ومسالكها، فالتجريدية كما عرفناها من الرواد تقوم على فكرة أن الوجود المادي هو انعكاس لعالم ذهني، أو على حد تعبير أفلاطون، “هدف الفن هو إعادة خلق الجمال الأسمى المنعكس من الصورة العليا، للمثل الأعلى، للجمال المثالي الذي تلمحه لمحا في حالة الإلهام”.
إن المدارس الفنية التي لجأت إلى الأحلام والخرافات - كالسريالية مثلا - على أنها وجود خارج الواقع وأعلى منه، تحطمت عندما تبين أن الأحلام والخرافات ما هي إلا انعكاس للواقع، لكن التجريدية ألغت كل علاقة أو شبهة علاقة للفن بالواقع متبنية الفكرة الميتافيزيقية عن وجود جمالي مستقل ومنفصل عن الواقع. وهنا كان الفنانون أداة في يد الفلاسفة لإثبات ما سبق أن دحضه الواقع والتاريخ والعلم.
لهذا كان استقبال أعداء المادية للمدرسة التجريدية في الفن استقبالا حماسيا، وشكلوا لها مظاهرة صاخبة مستمرة، ونفخوا فيها، ما أدى إلى امتداد عمرها عدة أعوام وتسلطها كمدرسة سائدة لفترة من الزمن على فناني أوروبا الغربية وأميركا. هذا بالإضافة إلى أنها أعلى شكل في اتجاه الفن للفن، هذا الاتجاه الذي ترعرع في فترة عجز الفنانين عن مواجهة الواقع المعقد بصراحة وفهم علمي، هذا الاتجاه الذي يعبر عن  تحلل القيم الفنية كانعكاس لحالة انحلال القيم في المجتمع. إنه فن الهروب من المشاكل، لهذا فرغم أن الفنان التجريدي يتخيل خلو عمله من المضمون، إلا أن هذا هو الهروب من المضمون.
* كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية