العدد 5498
الجمعة 03 نوفمبر 2023
اعتزال شاعر
الجمعة 03 نوفمبر 2023

"وكنت واقفاً.. بالقرب من معابر الجليل، ألف حول عنقيٍ النحيل، شالي المطرز.. المسود بالبياض.. ومدائن الخليل". قرأت هذه الأبيات قبل أن أتابع الهجوم البري في شمال القطاع، وقبل أن يبدأ شعب غزة النزوح إلى الجنوب، قرأت هذه الأبيات لأنها توقفت عند لحظة الخروج، عند موتة الشاعر الحصيف، بقنبلة فوسفورية، بصاروخ موجه عابر للأرحام، بدانة مدفع مزود بالعلوم والفنون وجرائم الحرب المنظمة.

خرجت من صرخة القصيد، بصرخة أعلى من فم وليد، تركت عرافة لبنان المقدسة لأصطدم ببيان حواري بين المثقفين العرب ونظرائهم الغربيين، العرب كعادتهم يناشدون الغرب، والغرب كعادته يتجاهل العرب. العرب كعهدنا بهم يقررون قمة طارئة من أجل غزة والديار المقدسة، لكن بقدرة قادر يتم تأجيل القمة. الفلسطينيون يموتون بالآلاف كل يوم، والعرب يعربون عن القلق، إلا من رحم ربي، وتظل آلة الحرب المتغطرسة تمارس شهوتها للدماء والفناء، وآلهة الغرام يواصلون تجاهلهم الحالة العربية المزرية. المثقفون العرب بقيادة كبيرهم الذي يعيش في باريس الشاعر السوري الكبير أدونيس.. يعربون عن استيائهم من تجاهل الضمير العالمي ما يحدث في قطاع غزة، المثقفون العرب يجلسون على "آرائكهم" الوثيرة، والقيامة من حولهم تتجلى في أبهى صورها، مفكرونا يخرجون عن صمتهم ببيانين متتاليين لم يحملا سوى التوسل للمعتدي والانصياع لتعاليمه، والركوع أمام غطرسته، والصلاة من أجل الشهداء.

المثقفون العرب أقاموا منذ السابع من أكتوبر الماضي، عشرات السرادقات التي نعوا فيها الشهداء، وهؤلاء وغيرهم نظموا مئات الندوات وتسابقوا على كتابة أحلى قصائدهم في حب الوطن. 

رغم ذلك لم يتحرك ساكن للمجتمع الدولي، استمر في تعاليه علينا وتجاهله لنا، لذا سأعلنها مدوية، لا طائل من أشعارنا، ولا كلامنا، ولا دموعنا، ولا ركوعنا بخنوع أمام أعدائنا، سأعلنها معتزلا الشعر، والكتابة، بعد ضياع الكرامة والمهابة.

كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية