كان لتدخل الولايات المتحدة الأميركية في الحرب العالمية الثانية، الأثر البالغ في نهاية هذه الحرب ونتيجتها، والتي ألحقت الهزيمة بألمانيا النازية ورسمت خريطة العالم بين معسكرين، وعلى مستوى أوروبا تحديدا بين شرقية وغربية. من المعلوم أن الإمكانيات الاقتصادية الأميركية هي التي ساهمت في إعادة نهوض وإعمار أوروبا بعد الحرب عبر مشروع مارشال الشهير، لكن الولايات المتحدة التي تفصلها عن أوروبا بحار ومحيطات ومصالح، لم تكن راضية كل الرضى عن الاستقلال الاقتصادي الأوروبي عنها، خصوصا مع بداية نجاح فكرة الاتحاد الأوروبي التي انطلقت عام 1951 عبر تحولها إلى متحد سياسي واقتصادي له مواقفه البعيدة عن مواقفها في أحيان كثيرة.
هناك نظرية رائجة تقول إن الولايات المتحدة التي قلقت وانزعجت من إمكانية التقارب والتلاحم الأوروبي الروسي عبر اتصال وتوسع وتمدد خط نورد ستريم للغاز الروسي بألمانيا وباقي الدول الأوروبية، نجحت في تحريك المشاغبة الأوكرانية وتحضير الأرضية الانقلابية في وجه الروس الذين وقعوا في فخ إنهاء التمرد الأوكراني والانزلاق إلى الغزو ورماله المتحركة. في المحصلة استعادت أميركا في هذه العملية إحكام قبضتها على أوروبا، التي باتت مجددا تحت رحمة السيطرة الأميركية في ظل الحاجة الى الدعم والإمداد العسكري الأميركي لمساعدة أوكرانيا في مواجهة مخالب الدب الروسي.
هناك نظرية ثانية رائجة أيضا، خلال هذه الفترة، مفادها أن أميركا لا تريد وغير قادرة على خوض حرب ثانية مع الحرب الأوكرانية الروسية، ولهذه الأسباب فإنها سارعت إلى حشد أساطيلها في مياه المتوسط قبالة إسرائيل لسببين: الأول الوقوف إلى جانب حليفتها وربيبتها إسرائيل وحفظ ماء وجهها بعد ضربة السابع من أكتوبر على يد حماس، وإشعارها أنها محمية وغير متروكة. والسبب الثاني، هو التحكم قدر المستطاع في تطورات المواجهة الجارية في المنطقة صعودا أو هبوطا تقدما أو تراجعا، لكي لا تضطر لخوض حرب ثانية تؤثر على الحرب الأولى في مواجهة روسيا.
المعلومات المنشورة في الصحافة الأميركية والإسرائيلية، كشفت أن وزير الدفاع الإسرائيلي الحالي يوآف غالانت، كان قد أعد خطة للهجوم الوقائي على لبنان وحزب الله.
المعلومات نفسها أشارت إلى أن بنيامين نتنياهو، تريث في اعتماد مخطط وزير دفاعه. كما أن الرئيس الأميركي جو بايدن مارس ضغوطا على إسرائيل لكي لا تقدم على مهاجمة لبنان، لكي لا يضطر حزب الله إلى الرد العنيف والواسع، ما يضطر أميركا إلى التدخل ويتحول الأمر إلى حرب إقليمية واسعة، لا تريدها أميركا الآن في المنطقة لأنها قد تؤثر على الحرب الأولى والأهم بالنسبة لها في أوروبا بمواجهة روسيا.
وهكذا يكون المايسترو الأميركي قد أمسك أوروبا من رقبتها واحتجزها مجددا، في حرب أوكرانيا، وهو يحاول أن يمسك ويحمي إسرائيل من كتفها لكي لا تندلع الحرب الواسعة في منطقة الشرق الأوسط ويضطر هو للانخراط فيها.
كاتب وأستاذ جامعي من لبنان