منذ فترة طويلة ابتعد العرب عن التفكير بحروب عسكرية مشتركة.. كانت الحرب الأخيرة التي خاضوها متأزرين متحدين عام 1973، وقد افترقت دروبهم الحربية والعسكرية منذ أن قرر الرئيس المصري الراحل أنور السادات الذهاب إلى القدس منفردا في كامب ديفيد. منذ ذلك التاريخ وضعت الجيوش والخطط العسكرية المشتركة جانبا، حتى خربت الأسلحة الحربية العربية في مواجهة إسرائيل، ولم تعد تستعمل ونخرها التسوس وسيطر عليها الصدأ في المخازن والمستودعات.
اكتشف العرب من آخر معركة مشتركة بعد عبور قناة السويس واقتحام خط برليف، أن الحرب والمواجهة العسكرية لم تعد مع إسرائيل، بل مع الغرب عموما وأميركا خصوصا، وهي التي سارعت يومها لإنقاذ حليفتها في المنطقة عبر جسر جوي هائل عبر إرسال طائرات تحمل دبابات محركاتها تدور ومحملة بقذائف معدة للإطلاق لمحاصرة الجيش المصري في سيناء.
يبدو أن طوفان الأقصى أو العبور الثاني - وردة أفعال إسرائيل ومخططاتها - أعاد العرب والدول العربية إلى التفكير من جديد بما فعلوا وما يجب أن يفعلوا مستقبلا ومن دون تنسيق كبير، فإسرائيل لم تلتقط الرسالة السلمية العربية ورسالة التخلي عن التفكير باستخدام السلاح والجيوش. إسرائيل وضعت لمعركتها مع حركة حماس والشعب الفلسطيني في غزة شعارات وأهدافا لا يمكن تحقيقها في القرن الواحد والعشرين أو تحملها وتقبلها عربيا. يبدو أن إسرائيل تناست أن ظروف نكبة 1948 وتهجير الفلسطينيين خارج أرضهم ذهبت ولن تعود.
الفلسطينيون الذين تعلموا من تجربة التشرد والتحول إلى لاجئين في دول الشتات قرروا الموت في ديارهم ولا الرحيل إلى ديار العرب القريبة.
العنصر الجديد الذي ظهر خلال هذه المواجهة المندلعة في المنطقة هو أن الدول العربية المتباعدة في أغلبها، قررت من دون إعلان، ألا تؤكل أو تضرب أو تلدغ من ذات الجحر الإسرائيلي مرتين.
لقد واجه الرئيس الأميركي جو بايدن في جولته العربية عبر موفديه أو منه شخصيا موقفا عربيا واحدا يقول، لا قبول بمخطط إسرائيل لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء أو الأردن.
التطور الاستراتيجي الجديد والمهم والنوعي، الذي ظهر في هذه المواجهة الدبلوماسية السياسية. وليس العسكرية، وظهر بوجه أميركا بشكل واضح وصادم، في القاهرة والرياض وعمان، وكل عاصمة ومدينة عربية، أن سلاح الموقف يكون بوحدة الموقف برفض المخطط الإسرائيلي الجديد لتوسيع دول الشتات الفلسطيني.
كاتب وأستاذ جامعي من لبنان