العدد 5488
الثلاثاء 24 أكتوبر 2023
مفاضلة الشعراء بين السيف والقلم في التراث العـربـي
الثلاثاء 24 أكتوبر 2023

يجد الباحث في بطون كتب التراث العربي تباين الشعراء في نظرتهم إلى أهمية العلم ممثلًا في القلم والكتاب، وإلى أهمية القوة ممثلة في السيف والرمح.

وقد وثقت العديد من كتب التراث العربي ذلك التباين من خلال ذكر الكثير من الأبيات والقصائد المفضلة للعلم وتلك المفضلة للقوة من قبل كبار الشعراء في العصور الإسلامية.


من بين الشعراء المعروفين في تراثنا العربي المتنبي، وهو الشاعر الذي مدح الكتاب واعتبره خير جليس، فقال:
أعز مكانٍ في الدنى سرج سابح
وخير جليس في الزمان كتاب


غير أنه ناقض نفسه بمدحه السيف أكثر من مدحه القلم، بل فضله على القلم كثيرًا للدرجة التي اعتبر فيها القلم خادما للسيف، فقال:
حتى رجعت وأقلامي قوائل لي
المجد للسيف ليس المجد للقلم
اكْتُبْ بنا أبدًا بعد الكتاب به
فإنما نحن للأسياف كالخدم


ومال أبو تمام هو الآخر إلى تفضيل السيف على الكتاب بشكل قوي، فقال:
السيف أصدق أنباء من الكتب
في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في
متونهن جلاء الشك والريب
والعلم في شهب الأرماح لامعة
بين الخميسين لا في السبعة الشهب


قصد ببيض الصفائح السيوف اللامعة بياضًا، وقصد بسود الصحائف الكتب التي غطى صفحاتها المداد، فإذا تقابل الجيشان يتم النصر باستخدام السيوف والرماح، فالنصر في الحرب لا يتم عن طريق ما جاء في كتب المنجمين الذين يقومون بقراءة الطالع من كتبهم.


تمادى البحتري في مدحه السيوف وذمه الأقلام التي شبهها ببغاث الطير، وهي طيور صغيرة الحجم ضعيفة البنية وبطيئة الحركة، فقال:
ولما التقت أقلامكم وسيوفهم
أبدت بغاث الطير زرق الجوارح
فلا غرني من بعدكم عز كاتب
إذا هو لم يأخذ بحجزة رامح
ويقصد في البيت الأخير ليس العزة لمن يمسك القلم ويكتب، ولكن العزة لمن يمسك الرمح ويطعن.


كان هناك العديد من الشعراء الذين فضلوا القلم على السيف وتحمسوا له كثيرًا، ومن بينهم ابن الرومي الذي وصف السيف بخادم للقلم على عكس ما قاله المتنبي، فقال:
إن يخدم القلم السيف الذي خضعت
له الرقاب ودانت خوفه الأمم
فالموت والموت لا شيء يغالبه
مازال يتبع ما يجري به القلم
كذا قضى الله للأقلام مذ بريت
إن السيوف لها مذ أرهفت خدم


وكان لأبي الفتح البستي رأيه في تفضيل القلم على السيف، داعمًا رأيه بما جاء في القرآن الكريم من ذكر القلم، وكان رأيه حجة على الجميع، حيث قال:
إذا افتخر الأبطال يومًا بسيفهم
وعدوه مما يكسب المجد والكرم
كفى قلم الكتاب فضلًا وسؤددًا
مدى الدهر أن الله أقسم بالقلم


امتدح الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في ثلاثة أبيات العلم وأهله، وذم الجهل وأهله، واعتبر الجاهلون أعداء لأهل العلم، وإن أهل العلم هم الأحياء، فقال:
ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم
على الهدى لمن استهدى أدلاء
وقيمة المرء ما قد كان يحسنه
والجاهلون لأهل العلم أعداء
فقم بعلم ولا تطلب به بدلًا
فالناس موتى وأهل العلم أحياء

* باحث ومؤرخ بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية