لم يتوقع أكثر المتشائمين ما حدث ليلة أول أمس في قطاع غزة، توقعنا استمرار الغارات على المدنيين، تذرعا بأن حماس جعلت منهم دروعا بشرية، وتوقعنا مزيدا من قتل الأبرياء والمسنين والأطفال والنساء، وتوقعنا تشددا عند معبر رفح الحدودي مع مصر لمنع دخول المساعدات المصرية ومواد الإغاثة والغذاء والدواء إلى شعبنا في قطاع غزة المحاصر منذ ما يقرب من أسبوعين، وتوقعنا مفاوضات صعبة مع المصريين عند المعابر ومع العرب حول استكمال مراحل السلام المزعوم، وتوقعنا موقفا دوليا ومواقف عربية متباينة، ومواقف إسلامية متشددة، وتوقعنا كل شيء تقريبا نظرا لخبرتنا في التعامل مع العدو طوال سنوات الحصار والعدوان والكيل بمكيالين، وتوقعنا أكثر من ذلك، لكن أن يصل العدوان إلى مواطن ملائكة الرحمة، إلى المستشفيات التي تؤوي الجرحى وأنصاف القتلى بل والشهداء الجدد، هو ما لم يخطر على بال، وما لم يمر على خاطر. بدم بارد تم الهجوم على مستشفى المعمداني بقطاع غزة، وقتل الإسرائيليون بآلاتهم الفتاكة أكثر من 800فلسطيني رغم أن الأرقام الرسمية توقفت عند الرقم 500، في مذبحة مروعة، لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري كله.
ما يسمى بالمجتمع الدولي أعرب فقط عن امتعاضه، عن قلقه العابر، وكأنه يعاني من أنصاف الليالي عندما يتجرعون فيهاكميات أكثر من الشاي والقهوة، الأردن ودول المواجهة مع إسرائيل لم تسكت، ألغت قمة رباعية مع الرئيس الأميركي بايدن في عمان تجمعه مع الرئيس المصري ورئيس السلطة الفلسطينية، وملك المملكة الأردنية الهاشمية، قالوا للرئيس الأميركي، عفوا لا نريد الاجتماع معك إلا بعد أن تكون مواقفكم أكثر عدلا في قضايانا العادلة، عفوا إنك ذهبت لإسرائيل وقلبت الحقائق ورميت كرة الثلج المشتعلة في وجه الفلسطينيين متهما إياهم بأنهم الذين فجروا مستشفى المعمداني، وأنهم القتلة لشعبهم وليست الغارات الإسرائيلية الوحشية.
حتى إقامة مناطق عازلة للمدنيين الفلسطينيين بجنوب وشمال القطاع لم تسلم من غارات حليفكم، وحتى تصريحاتكم لم تراع حرمة موتانا، ولا سرادقات عزائنا، ولا دموع ودماء ضحايانا التي مازالت تسيل، لذا لم يكن ممكنا أن نجلس معكم على طاولة واحدة، ولم يعد ممكنا أن نكتم أحزاننا، ونصدق كلامكم ووعودكم لنا بحل الدولتين، ولن نؤمن بعد اليوم بأنه لن يحك جلدك مثل ظفرك، وأن أهل مكة أدرى بشعابها، وإن غدا لناظره قريب.
كاتب بحريني