طغت أخبار المعارك ونتائجها العسكرية على مخرجات التغطية الإعلامية لوقائع حرب "طوفان الأقصى"، وهذا أمر متوقع في مسار الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وعلى وجه الخصوص عندما يتعلق الأمر بالخسائر البشرية.
وهذا أمر متوقع، أيضًا نظرًا لارتفاع نسبة سيطرة المؤسسة اليهودية، خاصة في المراحل المبكرة من الصراع، حيث استخدمت تلك المؤسسة نتائج معارك الانتقام التي شنتها الأجهزة اليهودية مثل "الهاغانا" لنشر الذعر في صفوف المواطن العربي، وعلى وجه الخصوص الشق الفلسطيني منه.
وعلى نحو مواز تعمدت آله الإعلام العالمية، بحكم نفوذ المؤسسة الصهيونية عليها، تخفيف حجم الخسائر الاقتصادية التي ولدتها مجموعة الحروب التي شنها الكيان الصهيوني، لحظة تأسيسه، وبعد استمرار سيطرته على نسبة من الأراضي العربية، بما فيها الفلسطينية. وكان ذلك التمويه للبعد الاقتصادي والمالي متعمدًا، ويخدم أهداف الظروف التي رافقت تلك المرحلة. والنتائج التي ولدتها.
لكننا اليوم، وبفضل التراجع الذي باتت تعاني منه نسبة السيطرة اليهودية على تلك الآلة، بدأت تتكشف الخسائر الاقتصادية التي باتت تتكبدها الدولة اليهودية، وامتداد ذلك على الاقتصاد العالمي. ثم جاءت معارك "طوفان الأقصى" الأخيرة كي تكشف بالأرقام الملموسة فداحة خسائر إسرائيل المالية وامتداداتها على الاقتصاد العالمي الراهن، وفي المستقبل القريب.
يصاحب ذلك مجموعة من التحليلات الاقتصادية الرزينة التي لم يكف مسؤوليها عن تحذير سكان العالم من تلك "السحابة السوداء" المتربصة باقتصاده المقبلة كنتيجة مباشرة لاستمرار الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.
فهاهي مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا تحذر العالم صراحة، حين تقول إن "الحرب بين إسرائيل وحماس هي سحابة سوداء للاقتصاد العالمي سوف تضاعف من قتامة أفق الاقتصاد العالمي الذي كان يمر بالفعل بمرحلة من النمو الضعيف".
بدوره قال رئيس البنك الدولي أجاي بانجا لوكالة أنباء رويترز "إنها مأساة إنسانية وصدمة اقتصادية لا نحتاجها".
وكما ترى ، الخبيرة الاقتصادية في بنك إنجلترا، كانيكا باسريشا فإن أحد أبزر تأثيرات الهجوم في الاقتصاد العالمي، سيكون من خلال أسعار النفط التي ارتفعت بالفعل بالقرب من مستوى 90 دولاراً".
و حسب ما نشرت وكالة بلومبيرغ "أحست أسواق الشرق الأوسط هذه التأثيرات، وتأثرت الأسواق العالمية للنفط بالأحداث، مع تصاعد المخاوف من تعطيل الحرب للإنتاج النفطي في الشرق الأوسط. وسجلت أسعار النفط قفزة بنسبة 4%،" خلال الأسبوع الأول من اندلاع المعارك. كما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط، وهو معيار النفط الأميركي، إلى أكثر من 86 دولاراً للبرميل، أي بنسبة 4.33%. كما ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت القياسي، ذات موعد التسليم في ديسمبر 2023، بنسبة 4.22%، لتصل إلى 88.15 دولار للبرميل".
أكثر من ذلك، وعلى المستوى الإسرائيلي المباشر دخل الاقتصاد الإسرائيلي في نفق مظلم. فقد أقفلت بورصة تل أبيب الأسبوع الماضي على انخفاض غير مسبوق في تاريخها بانخفاض اقترب من نحو 8%. كما نقلت وكالة الأناضول التركية . وحسب قول الوكالة، "سجل مؤشر البنوك تراجعاً كبيراً بلغ 8.7%، والإنشاءات بنسبة 9.52%، والتأمين 9.38% والاستثمار 9.2% والطاقة 9.22%. وخسرت الأسهم الإسرائيلية ما قدر بـ20 مليار دولار من قيمتها السوقية".
وحسب أرقام صندوق النقد الدولي، بلغت "خسائر الاقتصاد الإسرائيلي جراء العدوان على قطاع غزة نحو 0.2% من ناتجها المحلي الإجمالي، وهو ما يعادل 546 مليون دولار على اعتبار أن قيمة الناتج تناهز 273 مليار دولار. (وأوضح صندوق النقد) أن خسائر تل أبيب قد ترتفع إذا ما استمر العدوان لفترة طويلة، مشيرا إلى أن معدل النمو الاقتصادي الإسرائيلي قد يتباطأ بدرجة أكبر إذا استمر الوضع على ما هو عليه، مع تكبد قطاعي السياحة والشركات الصغيرة والمتوسطة في جنوب إسرائيل أكبر الخسائر".
لقد أرادت إسرائيل أن تحصر الخسائر في الجبهة الفلسطينية، لكن انقلب السحر على الساحر. فرغم التضحيات الكبيرة التي قدمها الفلسطينيون عندما يتعلق الأمر بالدمار في البنية التحتية وعدد الشهداء والضحايا، لكن محصلة النتائج النهائية، بخلاف ما توهمته إسرائيل، باتت تمس عصب التفوق الإسرائيلي لصالح الصمود الفلسطيني.
وهذا نذير بانقلاب في معادلة الصراع لصالح الطرف الفلسطيني. قد يبدو هذا الإنقلاب طفيفًا لكنه قابل للإرتفاع والتوسع، وهذا ما باتت تخشاه تل أبيب.