العدد 5381
الأحد 09 يوليو 2023
حرق الكتب في البلدان العربية عبر التاريخ
الأحد 09 يوليو 2023

حرق الكتب جريمة لا تغتفر، فكيف إذا كان ذلك التعدي على كتاب الله (القرآن الكريم)؟ فقد شهدت بعض الأمصار العربية حرق الكتب وإتلافها أو نهبها خلال فترات التاريخ، وبالتحديد اعتبارًا من القرن الثالث الهجري وحتى القرن الخامس عشر الهجري، أي حتى العقد الأول من القرن الميلادي الجاري. وبدأت جريمة حرق القرآن الكريم أثناء الحملات الصليبية على بعض البلدان العربية في القرن الحادي عشر الميلادي.
وتؤكد المصادر التاريخية أن بداية حرق الكتب أو إتلافها برميها في الماء أو دفنها في باطن الأرض في البلدان العربية الإسلامية، كانت على أيدي بعض الصوفية المتنسكين. فقد لعبت عوامل نفسية في قيام بعضهم بالتخلص من كتبهم التي جمعوها أو حتى التي قاموا بتأليفها، ومن بين أولئك أحمد بن أبي الجواري المتوفى سنة 230هـ، الذي قام بعد جمع الكتب التي بذل في اقتنائها الغالي والنفيس، برميها في مياه النهر. وأوصى أبو كريب الهمداني المتوفى سنة 243هـ، وكان من محدثي الكوفة الأجلاء، بأن تدفن كتبه معه، فدفنت تنفيذًا لوصيته. وقام أبو حيان التوحيدي المتوفى سنة 414هـ بحرق كتبه التي ألّفها بنفسه بعد أن جاوز التسعين من العمر؛ لأنه لم ينل من التقدير والاحترام في حياته كما كان يرجوه ويتطلع إليه.
ومن بين أبشع الفواجع التي تعرض لها الكتاب بما في ذلك القرآن الكريم، حرق مكتبة بني عمار بطرابلس في سوريا على أيدي الصليبيين في القرن الحادي عشر الميلادي. وكانت تضم مجموعة ضخمة من الكتب، واختلف المؤرخون والمستشرقون في تحديد عدد مقتنياتها من الكتب، فمنهم من قدرها بثلاثمئة ألف كتاب، ومنهم من بالغ وحددها بثلاثة ملايين كتاب. ويعود سبب حرقها إلى توهّم الصليبيين أن جميع محتويات المكتبة هي نسخ من القرآن الكريم. وكان يرافق تلك الحملة الصليبية أحد القساوسة، الذي قام بالتجوال في القاعة المخصصة للقرآن الكريم، فأعطى أوامره بحرق جميع الكتب الموجودة بأقسام المكتبة؛ ظنًّا منه أن جميع مقتنيات المكتبة هي نسخ من القرآن الكريم.
وتتمثل الكارثة الكبرى في تدمير المكتبات الرئيسة الثلاث التي تأسست في العصور العباسية والفاطمية والأندلسية وحرق مقتنياتها أو نهبها. وكان نتيجة ذلك ضياع وحرق وإتلاف الملايين من الكتب العربية. فقد دمر المغول مكتبة “بيت الحكمة” في بغداد أثناء اجتياحهم المدينة، وكانت تغطي جميع العلوم على اختلافها حينذاك، بما في ذلك كتب العلوم والفلسفة التي كانت محرمة من قبل البعض.
وقد وصفها المؤرخ الكبير ول ديورانت في موسوعته (قصة الحضارة) بأنها مجمع علمي ومرصد فلكي ومكتبة عامة. وقال عنها ابن خلدون إن الإسلام مدين إلى هذا المعهد العلمي باليقظة الإسلامية الكبرى التي اهتزّت بها أرجاؤه، والتي تشبه في أسبابها ونتائجها النهضة الأوروبية التي أعقبت العصور الوسطى. ووصفها القلقشندي في كتابه (صبح الأعشى في صناعة الإنشاء) بقوله: (يقال إن أعظم خزائن الكتب في الإسلام ثلاث خزائن: إحداهما خزانة الخلفاء العباسيين ببغداد، فكان فيها من الكتب ما لا يحصى كثرةً، ولا يقوم عليه نفاسة، ولم تزل على ذلك إلى أن دهمت التتر بغداد، فذهبت خزانة الكتب فيما ذهبت، وذهبت معالمها وأعفيت آثارها).
ونالت “مكتبة دار العلم” بالقاهرة نفس مصير مكتبة “بيت الحكمة” في بغداد بعد سقوط الدولة الفاطمية. وكانت تعد أضخم مكتبة عرفها التاريخ البشري آنذاك. فقد ذكرت المستشرقة الألمانية (زيغريد هونيكه) في كتابها (شمس العرب تسطع على الغرب) أهمية وضخامة تلك المكتبة بقولها: (وفي القاهرة رتب مئات العمال والفنيين في مكتبتي الخليفة - وتقصد بذلك مكتبة القصر، ومكتبة دار العلم - مليونين ومئتي ألف من المجلدات). وقد قُضي على هذه المكتبة بعد سقوط الدولة الفاطمية، وضاعت كتبها كما ذكر ذلك القلقشندي وأكده المؤرخ المقريزي، حيث تم بيعها على التجار. وحُدِّد لبيع الكتب يومان من كل أسبوع، واستمر عشر سنوات، وتولى تجار الكتب والدلالون مهمة البيع تحت إمرة قرقوش. 
وتعرضت “مكتبة قرطبة” بالأندلس التي أسسها الحكم المستنصر الذي تولى الخلافة في الفترة من العام 961م وحتى العام 976م إلى الحرق والتدمير والنهب. وكانت تضم زهاء أربعمئة ألف كتاب وفق ما أورده ابن خلدون والمقريزي. وقد نعتَ المستشرق الهولندي رينهارت دوزي في كتابه (تاريخ المسلمين في إسبانيا) الحكم المستنصر بأنه فريد من نوعه من حيث اقتناء الكتب النادرة.
وتؤكد المصادر التاريخية تعرض المكتبة للحرق والتخريب بعد وفاة الحكم الثاني. فعندما تولى المنصور بن أبي عامر حدث لغط بشأن مقتنيات المكتبة من قبل الفقهاء والعامة، فأمر بحرق كتب الفلسفة والعلوم إرضاءً لهم. وبدخول البربر قرطبة بعد محاصرتها تم نهب المكتبة كاملة. 
وخسر العرب ما يزيد على مليون كتاب في الأندلس، حين شنّ الإسبان حرباً شعواء على العرب المسلمين مستهدفين بحقد أعمى الكتب. ففي العام 1499م أمر رئيس أساقفة غرناطة بحرق كل ما يمكن حرقه من الكتب العربية. وبتولّي خوان كسيمانيز أمور الأسقفية في مدينة غرناطة في العام 1511م صبّ جام غضبه على ما تبقى من كتب عربية في مدينة غرناطة، فأمر بجمعها وحرقها في ميدان باب الرملة. 
وتؤكد المستشرقة الألمانية زيغريد هونيكه في كتابها (شمس العرب تسطع على الغرب) خسارة العرب من الكتب بقولها: (هكذا حرقت يد التعصب مليوناً وخمسة آلاف كتاب هي مجهود العرب في الأندلس وثمرة نهضتهم في ثمانية قرون).
واستمر مسلسل حرق الكتب العربية وتدمير أماكنها ونهبها حتى العقد الأول من القرن الجاري. فبعد دخول قوة التحالف بغداد بالعام 2003م نهبت المكتبات الكبيرة، ومنها المكتبة الوطنية ببغداد، وضاعت الآلاف من الكتب والمراجع والمخطوطات والوثائق. وفي شهر مارس من العام 2007م تم تدمير وحرق المكتبات التجارية المنتشرة على شارع المتنبي ببغداد في حادث قام به الإرهابيون المتعصبون، وأدى ذلك إلى فقدان الكثير من مصادر المعرفة من الكتب والمراجع والمخطوطات. ومن بين أشهر مكتبات شارع المتنبي التي نالها التدمير بشكل كامل: القاموسية، والقانونية، وعدنان، وأبناء حياوي. كما تم تدمير المقهى الثقافي المشهور والمعروف باسم مقهى “الشاهبندر”، وبهذا فقدت عشرات الآلاف من الكتب.
تلك الأحداث حقائق تاريخية مؤلمة نتمنى أن تكون بلا رجعة، وأن تكون فعلاً من التاريخ وحدثاً مظلماً من الماضي. فقد بلغ عدد الكتب التي تم حرقها ونهب بعضها من المكتبات في الوطن العربي أكثر من عشرة ملايين كتاب، وفق دراسة موثّقة قام بها الباحث ونُشرت في العام 2007م.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .