السجالات حول “جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية” في البحرين، بلغت درجة خطيرة، حيث انتشر فيديو على شبكات التواصل الاجتماعي، لطفلٍ في مناسبة دينية، وهو ينشد قصيدة يقول “كونوا سداً ومنعة، واحفظوا الدينَ، ضد فكر السفارة وبيوت الدعارة”، فيما بقية المعزين هم من الأطفالِ أيضاً! إنه لأمر مستغربٌ أن ترد عبارة “بيوت الدعارة” في قصيدة عزاءٍ حسيني، وفي محفلٍ له أدبياته التي يفترضَ أن لا يتم تجاوزها بهكذا عبارات غير لائقة.
أمرٌ آخر، كيف يمكن أن يسمحَ كاتب النصِ والقائمون على المحفلِ أن تعطى هذه القصيدة لطفلٍ كي ينشدها، وهو مازال طريّ العود، ويكرر عباراته على مسمعِ أطفالٍ قُصر، يتم الزج بهم في أتون صراعات عبثية لا جدوى منها، تعمل على تغذية عقول الأطفالِ بأفكار سلبية، وتجعل التدين لديهم سلوكاً نابذاً للمختلفِ عوض أن يكون رحمة وتعاوناً بين أفرادِ المجتمع! هذا المستوى الذي وصلت له النقاشات حول “جمعية التجديد” والذي شاركت فيه مواكب عزاء، وبيانُ مُوقع من أكثر من 90 مأتماً، يجب أن تدفع الحكماء إلى التحرك نحو صون الوحدة الوطنية، والحفاظ على السلم الأهلي، ونزع فتيل التوتر.
شخصياً، أرى أن هناك مسؤولية يجب أن ينهض بها الطرفان، لأن سلامة المجتمع أهم من الأفكار التي يؤمن بها كل فريق منهما، وإن كان لهم الحق في الاعتقاد بما يشاؤون؛ إلا أن الخصومة يجب أن لا يكون فيها فجورٌ، وأن لا تستخدم المنابر الدينية في التحريض والازدراء. لو كنت مكان خصومِ “التجديد”، لتوقفت عن التحريض ضدهم والنيلِ من سمعتهم وكففتُ عن محاصرتهم اجتماعياً. ولو كنتُ قيادياً في “التجديد” لأصدرتُ بياناً أنفي فيه أية علاقة بموضوع “السفارة” والنيابة عن الإمام المهدي وفندته بشكل صريح وواضح لا لبس فيه، كي تقفَ هذه الفتنةُ ولا تستمر.
لقد باتت هذه المعارك مملة، تستنزف جهدَ الفردِ، وتشغله عن اهتمامات أكبر، وتغيرات مفصلية يمرُ بها الخليج العربي، والباحثون والمثقفون معنيون بالعمل على متابعتها وتحليلها، والمساهمة في عملية الإصلاح. كتبتُ كثيراً حول النقاشات التي جرت، وأعتقد أنه ليس من الحكمة الكتابة أكثر حول ذلك، لأن “ما يدور صراع هامشي، وإقليمياً هناك قضايا ستفرض نفسها علينا جميعاً”، كما يقولُ صديق أثقُ برجاحة رأيه، ولذا آن لهذه الحملة العدمية أن تتوقف، وأن ينخرط المجتمع أكثر في التنمية، وترسيخ أسس الدولة المدنية الحديثة التي يسودها القانون العادل، بعيداً عن الخطابات المذهبية الضيقة.
* كاتب وإعلامي سعودي