على مدى عقود طويلة، كان الاقتصاد هو البوصلة التي تهتدي بها الحكومات والأسواق والمستثمرون، فبعد انتهاء الحرب الباردة واندفاع العالم نحو العولمة، ترسخت قناعة مفادها أن السياسة تتحرك لخدمة الاقتصاد، وأن القرارات الكبرى تُبنى على أسس واضحة من النمو والتضخم والبطالة واستقرار الأسواق.
في تلك المرحلة، تمتعت البنوك المركزية باستقلالية شبه مطلقة، وأصبحت قراراتها محط أنظار المستثمرين حول العالم. كانت لغة الأرقام هي الحَكَم، وكانت المؤشرات الاقتصادية قادرة إلى حد بعيد على تفسير حركة الأسواق وتوقع اتجاهاتها.
لكن العالم الذي عرفناه تغيّر، فخلال السنوات الأخيرة شهد النظام الاقتصادي الدولي تحولا عميقا أعاد ترتيب الأولويات. لم تعد القرارات الاقتصادية تُصاغ فقط في وزارات المالية أو داخل البنوك المركزية، بل أصبحت تُناقش في غرف الأمن القومي ومجالس الاستراتيجيات الدولية. وأصبحت الاعتبارات الجيوسياسية تتقدم على اعتبارات الكفاءة الاقتصادية، بينما تحولت المصالح القومية والأمن الاستراتيجي إلى عوامل حاسمة في رسم السياسات الاقتصادية.
اليوم، لم يعد السؤال: ما الذي يحتاجه الاقتصاد؟ بل أصبح السؤال: ما الذي تفرضه المصالح الاستراتيجية للدولة؟
عندما تتحدث الوقائع
لعل أبرز مثال على هذا التحول هو الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، فمن منظور اقتصادي بحت، كان من المفترض أن تستمر أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم بتعزيز التبادل التجاري وتقليل القيود لتحقيق أكبر منفعة ممكنة للطرفين، لكن الواقع سار في اتجاه مختلف، حيث فرضت الرسوم الجمركية والقيود التكنولوجية وأصبحت المنافسة على النفوذ والسيادة التقنية أكثر أهمية من اعتبارات الربح التجاري المباشر.
كما أظهرت الحرب الروسية الأوكرانية كيف يمكن للسياسة أن تعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي خلال فترة وجيزة، فالعقوبات الاقتصادية الواسعة على روسيا أدت إلى اضطرابات كبيرة في أسواق الطاقة والغذاء والنقل، ودفعت العديد من الدول إلى إعادة النظر في استراتيجيات الأمن الغذائي وأمن الطاقة، حتى إن ترتب على ذلك ارتفاع التكاليف الاقتصادية.
وفي قطاع التكنولوجيا، لم يعد التنافس يدور حول الأرباح فقط، بل حول السيطرة على المستقبل، فالصراع العالمي على أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي أصبح جزءا من معادلة الأمن القومي للدول الكبرى، وهو ما دفع الحكومات إلى تقديم مليارات الدولارات من الدعم للصناعات الاستراتيجية على رغم التكلفة الباهظة.
أما في منطقتنا فقد أثبتت التوترات الجيوسياسية في الممرات البحرية الحيوية مثل البحر الأحمر ومضيق هرمز أن أي حدث سياسي أو أمني قادر على التأثير الفوري في أسعار النفط، وتكاليف الشحن، وسلاسل الإمداد العالمية، بغض النظر عن أساسيات العرض والطلب التقليدية.
أدوات الصراع في العالم الجديد
لقد دخل العالم مرحلة جديدة من التنافس الدولي تستخدم فيها أدوات اقتصادية لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية، فالحروب التجارية، والعقوبات الاقتصادية، والصراع على التكنولوجيا المتقدمة، وأمن الطاقة، وإعادة هيكلة سلاسل الإمداد العالمية، أصبحت جميعها أسلحة تُستخدم في معركة النفوذ الدولي.
ولم يعد غريبا أن تتخذ دولة ما قرارا يرفع التكاليف على اقتصادها أو يبطئ نموها مؤقتا إذا كان ذلك يخدم هدفا استراتيجيا أكبر يتعلق بالأمن القومي أو تعزيز النفوذ السياسي.
ومن هنا بدأت تظهر مفاهيم جديدة مثل “إعادة توطين الصناعات” و “التوريد من الدول الصديقة”، وهي مفاهيم لم تكن لتحتل هذه المكانة لو كانت الاعتبارات الاقتصادية البحتة هي العامل الوحيد في اتخاذ القرار.
عندما تتعطل القواعد التقليدية للأسواق
سنوات طويلة اعتمد المستثمرون على مجموعة من القواعد الكلاسيكية التي أثبتت فاعليتها في تفسير حركة الأسواق.
ارتفاع الفائدة يعني ضغوطا على الأسهم. انخفاض التضخم يدعم الأصول الخطرة. تباطؤ النمو يدفع البنوك المركزية نحو التيسير النقدي، غير أن هذه المعادلات أصبحت أقل قدرة على تفسير الواقع الجديد، فقد شهدنا خلال الأعوام الأخيرة ارتفاع الذهب والدولار معا في الوقت نفسه، وهو أمر كان يُعتبر استثنائيا في السابق. كما رأينا أسواق الأسهم تسجل مستويات تاريخية على رغم تباطؤ بعض المؤشرات الاقتصادية وارتفاع المخاطر الجيوسياسية، بل إن بعض البنوك المركزية أصبحت مضطرة للحفاظ على سياسات نقدية متشددة لفترات أطول، ليس فقط بسبب التضخم، وإنما نتيجة اعتبارات تتعلق بالاستقرار الاستراتيجي والتوازنات الدولية.
هذه المتغيرات خلقت حالة من الضبابية غير المسبوقة، وجعلت الكثير من النماذج الاقتصادية التقليدية عاجزة عن تفسير المشهد بنفس الدقة التي كانت تتمتع بها في العقود السابقة.
المستثمر في عصر “الجيواقتصاد”
في هذا الواقع الجديد، لم تعد قراءة القوائم المالية أو متابعة البيانات الاقتصادية كافية لاتخاذ قرار استثماري ناجح.
المستثمر المعاصر أصبح مطالبا بفهم أعمق للعلاقات الدولية، ومتابعة التحولات الجيوسياسية، وقراءة مصالح القوى الكبرى، وتحليل تأثير الصراعات التجارية والتكنولوجية في الأسواق والأصول المالية، فما كان يُنظر إليه سابقا باعتباره عوامل خارجية أو أحداثا سياسية عابرة، أصبح اليوم جزءا أساسيا من عملية اتخاذ القرار الاستثماري.
إننا نعيش مرحلة يعاد فيها تشكيل موازين القوى الاقتصادية العالمية، وتتداخل فيها السياسة والاقتصاد بصورة لم نشهدها منذ عقود طويلة، ولذلك لم يعد السؤال: ألسياسة جزء من الاقتصاد أم الاقتصاد جزء من السياسة؟
السؤال الأهم اليوم هو: كيف يستطيع المستثمر فهم هذه العلاقة المتشابكة والمتغيرة باستمرار ليحمي ثروته ويستفيد من الفرص التي تنشأ وسط التحولات الكبرى؟
الخلاصة
في تقديري، إن المستثمر الناجح خلال السنوات القادمة لن يكون بالضرورة الأكثر مهارة في قراءة الأرقام فحسب، بل الأكثر قدرة على فهم المشهد بأبعاده كافة، ففي عالم تتشابك فيه المصالح الاقتصادية مع الحسابات السياسية، لم يعد كافيا أن تنظر إلى الميزانيات والمؤشرات فقط، بل أصبح من الضروري أن تفهم ما يدور خلف الكواليس الدولية.
المستقبل سيكون من نصيب المستثمر الذي يقرأ الاقتصاد بعين السياسي، ويقرأ السياسة بعين الاقتصادي، أما الفصل بينهما فقد أصبح من ترف الماضي.
*خبير أسواق المال والاستثمار