العدد 5284
الإثنين 03 أبريل 2023
عندما يتحدث الفرد باسم الله!
الإثنين 03 أبريل 2023

تعقيباً على مقالي الفائت “علماء الدين هل هم حلقة الوصل الأمثل”، وصلتني رسالة من أخٍ ذي عقلٍ راجح، دائماً ما يرمي أسئلة يسعى من خلالها لاستحثاث التفكير خارج الأطر الاعتيادية.
الصديق العزيز، يقول “تلبيس الشخصِ باسمِ الدين، والحديث باسم الله، لبُ المشكلة، فالمولى سبحانه وتعالى منزهٌ عن الخطأ، والبشر مجبولون على الخطأ. لذا، عندما أتحدثُ باسم المولى سبحانه وتعالى، فأنا بالتأكيد معرضٌ لأن أكون مخطئاً، وأن أُخفقَ، وأن أُحسنَ، وأن أُصيبَ.. فإذا تحدثت باسم المولى سبحانه وتعالى.. فأنا أعرضه لشيءٍ لا يليق بجلالته”.
التفريق بين الإلهي والبشري أمرٌ في غاية الأهمية والدقة، ورغم أن المؤمنين وتحديداً علماء الدين، لا يدعونَ جهاراً أنهم ناطقون باسم الربِ، إلا أنهم عملياً وفي أحيان كثيرة يمارسون ذلك، ويرسخونه، ويصرون على الخلط بين قول الإله وقولِ البشر، وكأن هناك تلازما وتداخلا لا انفكاك منه! هذا الالتباس مردهُ القداسة التي تضفى على شخوصِ المؤمنين، والإحالة الدائمة للنصِ الديني بوصفه متناً لا يُساءلُ، ولذا، فهم عندما يقدمون شروحهم وفهمهم لهذه النصوص، يتصورن أنهم يستنطقون كُنه حقيقتها، ويكشفون عن مرادِ الله أو النبي؛ ما يجعل خطابهم ذا سماتٍ أكثرَ حصانة وأقل نقدانية.
هذه الملازمة بين النص الديني والشراح له، مفيدٌ أن يُشتغلَ على تفكيكها منهجياً وعلمياً، كما يجب أن يساءل هذا النصُ قبل الركونِ إليه وتقديمه وكأنه مرادُ الله، لأن كتب التراث ضمت العديد من النصوص المكذوبة أو الخرافية أو ضعيفة السندِ أو عليلةُ المتنِ. ليسَ لأحد أن يدعي أنه يدركُ غاية الخالقِ المطلقة، أو أن الحكم الفقهي الذي يقدمه أو الرؤية العقدية هي تلك التي عناها الباري، فجميع ما يكتبُ وينشرُ هو خطابٌ بشريٌ صرفٌ، يجب التعامل معه وفق ذلك، دون رفعه لمرتبةٍ عُليا. اجتهاد البشرِ والآراء التي تطرح، قابلة للنقاش، والمناقدة العلمية، إنما المعضلة تكمن في أمرين: أصحابُ سلطة ومكانة دينية يريدون عن قصدٍ أو دون قصدٍ ترسيخ رؤية أحادية ماضوية للدين، يعارضونَ بعنفٍ رمزيٍ كل من يختلف معهم حولها، وأحياناً يستحيلُ الأمر إلى تحريضٍ على الإيذاء الجسدي! والأمر الثاني، أتباعٌ يعيرونَ عقولهم لهؤلاء الرهطِ من الوعاظِ دون أن يناقشونهم، لاعتقادهم أن هذا أمرُ الحقِ عز وجل.
التحليل الموضوعي والتحرر العقلي والتبصرُ والاستقلالية الفكرية، هي الطريق لأن يفرقَ الإنسان بين الخطابين: الإلهي والبشري، ويمنع التداخل السلبي بينهما.
* كاتب وإعلامي وسعودي

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية