العدد 4365
السبت 26 سبتمبر 2020
بيت عبد الناصر
السبت 26 سبتمبر 2020

تحل في يوم الـ 28 من سبتمبر الجاري ذكرى مرور 50 عاماً على رحيل الزعيم جمال عبدالناصر؛ وهو أول زعيم عربي في تاريخنا المعاصر تمكن من جمع العرب خلف قيادته بشتى أقطارهم وأطياف شعوبهم الدينية والاجتماعية في توحيد مواقفهم من القضية الفلسطينية في موقف واحد أواخر حياته، ورغم مرور نصف قرن على مماته مازالت شواهد إنجازاته وتراثه الفكري تتحدث عنها الكتب والوثائق والصحافة والتسجيلات الصوتية والمرئية، بل ومنها ما هو موجود على الأرض من إرث معماري يخصه شخصياً - خصوصا بيته الذي تم تحويله إلى متحف بعد ما عاش وأسرته فيه منذ ما بُعيد الثورة حتى وفاة زوجته السيدة تحية كاظم عام 1992، حيث ظلت متمسكة رحمها الله بالعيش فيه وحدها رغم خروج أبنائها منه تباعاً إثر زواج كل منهم.

قرأت أول مرة عن فكرة تحويل البيت إلى متحف بُعيد وفاته عام 1970، خلال المرحلة الدراسية الثانوية، ومع تكرر نشر الفكرة سنوياً أضحت الفكرة رتيبة ومملة، وفي أوائل مارس عام 1999، أثناء زيارتها البحرين؛ عشية وفاة المغفور له أمير البلاد الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، التقيت ابنته الدكتورة هدى بفندق الشيراتون بناء على طلبي، وأثناء اللقاء علمت منها عن تكثيف مساعي وجهود الأسرة لتنفيذ المشروع؛ ولم أتمكن من نشر الحديث حينها احتراماً لرغبتها المتحفظة على نشر حوارات لها في الصحافة؛ ولعل ذلك يعود لعدم ائتمانها الصحافة على دقة ما يُنشر على لسانها لتجارب مريرة لها معها كما ألمحت لي باقتضاب، ومع ذلك ظل المشروع حبراً على ورق حتى انتهاء عهد الرئيس الراحل حسني مبارك 2011. ولم يرَ المشروع النور إلا قبل أربع سنوات فقط (2016) في عهد الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي.

وفي تقديري فإن زيارة المتحف تُعد مهمة لكل عشاق تراث وتاريخ مصر والعرب المعاصر؛ سواءً كانوا من العرب أو الأجانب، اتفقوا مع عبدالناصر أم اختلفوا، إذ لن تقتصر الفائدة على المتعة التي سيلمسونها، بل والتعرف عيانياً على حقبة مهمة من أخصب فترات مصر والعرب.

زرت المتحف أوائل فبراير الماضي على هامش زيارتي معرض الكتاب، ويقع بمنشية البكري شرق القاهرة، بعد ما خضع بيت الزعيم لعمليات من الترميم والتحديث، وشيّد على مساحة 400 . 13 متر مربع، بتكلفة 71 مليون جنيه، ويتكون من طابقين وحديقة ملحقة بالبيت، وهو امتداد لمعسكر الحرس الجمهوري، ويتميز البيت ببساطته اللافتة الأقرب لبساطة بيوت الطبقة الوسطى؛ أو ما دونها بقليل، وقد انتقل إليه ناصر وأسرته بعد شهرين من الثورة التي قادها في 1952، وكان قبل ذلك يعيش في منطقة كوبري القبة في شقة عادية، كسائر ضباط الجيش ممن هم في رتبته "يوزباشي"، ومن أهم مقتنيات البيت/ المتحف؛ وكذا ما يحويه من وثائق وهدايا ونياشين وأوسمة مُنحت له من قِبل نظرائه أو مسؤولين كبار: ملابسه؛ وضمنها "بيجامته"، وأحذيته وأربطة العنق التي كان يرتديها، وثمة قاعة خاصة بالأوسمة والنياشين معظمها مهداة إليه من دول المعسكر الاشتراكي السابق؛ من بينها نجمة بطل الاتحاد السوفييتي، وقبعة الروس المميزة للشتاء القارس أهديت له أثناء إحدى زياراته للاتحاد السوفييتي، وأسطوانات للفنان تشايكوفسكي. أما الهدايا فمعظمها من الذهب الخالص أهديت إليه من قادة عرب وأجانب عديدين.

وثمة خنجر ذهبي مهدى إليه من العاهل السعودي المرحوم الملك فيصل آل سعود؛ وذلك قبل وفاة ناصر بسنة واحدة خلال الفترة الذهبية للتضامن العربي بعد هزيمة العرب القاصمة في حرب 67، والتي بفضلها - الفترة الذهبية - وعوامل أخرى تمكن الجيش المصري بقيادة خلفه أنور السادات من عبور القناة 1973. كما يجد الزائر وثائق لقرارات تتعلق بأحداث في منتهى الأهمية وقعت خلال عهد ناصر، وخزانة عُبث بمحتوياتها أودع فيها الراحل مقتنيات شخصية خاصة بالغة الأهمية عائلية وحكومية؛ لكنها وُجدت مسروقة بعد رحيل آخر من تبقى وعاش في البيت (زوجته). أما مكتبته التي تحتوي على كل ما كان يصدر من كتب عربية في الدول العربية كافة - حسب ابنته هدى في أحد تصريحاتها - فقد وُجدت مسروقة عن بكرة أبيها - رغم إقرار "هيئة الاستعلامات" أنها جُردت رسمياً وكانت كاملة بعد رحيل أمها السيدة كاظم واستلام الدولة البيت؛ ووُجدت كسائر المقتنيات الأخرى التي لم يمسها سوء.

وكانت فرحة ابنته هدى عظيمة بحصولها على تمثال لأبيها متضمناً في تصميمه من أسماهم "قوى الشعب العامل" (العمال والفلاحون والمثقفون والجنود) صممه بناء على طلبها المبدع المثّال جمال الخزيني، لكنه مات في الخارج قبل موعد تسليمه إياها بعد عودته؛ وتم تصميم التمثال بناء على مقترح من الأديب الراحل الكبير توفيق الحكيم، وكان يُفترض نصبه في ميدان التحرير، لكن أوقف المشروع بعد انتصار السادات على الجناح الناصري اليساري في الصراع على السلطة عام 1971 الذي انتهى في منتصف مايو من نفس العام؛ رغم استكمال بناء قاعدة التمثال في الميدان وبقائها فيه لسنوات طويلة، طبقاً لإفادة ابنته هدى نفسها.

مات عبد الناصر موتة أشبه بالموتة "الاستشهادية" الحقة إثر خرقه العنيد تعليمات كبار الأطباء الروس المشددة للخلود للراحة من موت مباغت قد يفاجئه جراء مضاعفات مرض السكر الذي كان يعاني منه، فترك الإجازة الطبية المهمة التي كان يقضيها في مرسى مطروح راجعاً القاهرة ليدير قمة طارئة احتضنتها القاهرة على عجل، أما ميراثه المالي ققد كان بضع مئات من الجنيهات.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .