العدد 4362
الأربعاء 23 سبتمبر 2020
التعليم رسالة للحياة
الثلاثاء 22 سبتمبر 2020

للتمكّن من الربط بين التعليم والحياة، علينا أوّلا أن ندرك ماهية الحياة حتى نميّز ما هو دون الحياة والذي يعيشه أغلب البشر، فالحياة بالتعريف العلمي هي الحركة، وقد تعلّمنا منذ الصغر أن الأشياء التي لا تتحرك هي أشياء غير حيّة، وليس من الضروري أن تقطع الأشياء الحية مسافات بحركتها كالنباتات مثلا، فحركة النباتات تتجلى بنموّها وتمددّها في مكانها، وهي بحدّ ذاتها حياة تتمثّل بحركة انقسام الخلايا، والتي هي بالنسبة للنباتات حركة مفعّلة من برمجة جينات خلاياها، ومن هذا، فإنّ النباتات تعيش لتنمو وتكبر، تعيش لتزهر، تعيش لتنتج الدواء لعلاج علل جسد الإنسان (والحيوان)، تعيش لتنتج العطور المستخلصة من عبير زهورها والغذاء لبقاء الإنسان (والحيوان)، وهي زينة في الحدائق الغنّاء، وتلك أسباب وجودها الذي يمثّل جزءا كبيرا من الطبيعة، إذا حركة النباتات هي حركة خاضعة لبرنامجها الجيني، وهي حركة حياة بالنسبة للنباتات لأنّ وجودها مسخّر للأسباب المذكورة أعلاه.

وإذا ما أتينا إلى الإنسان الذي هو صانع المعجزات بعقله المكرّم دون سائر المخلوقات، نجد أن حركة الحياة بالنسبة له تختلف نهائيا عن سائر المخلوقات، لذا فهو مكرّم.. وما نعنيه هنا هو سبب وجوده، فحركة الحياة بالنسبة للإنسان هي حركة عمل، وهي ليست حركة عمل للبقاء كحركة القنادس لبناء بيوتها، أو حركة اللبؤات للحصول على فرائس لملء بطون ذكورها من أسود، أو حركة الطيور لإطعام فراخها، وتلك الأمثلة تجسّد عملا لبقاء مخلوقات تشكل لها الحياة التي خلقت لأجلها، أما حياة الإنسان فهي من أجل تفعيل رسالة، رسالة هي قيمة بالنسبة له، قيمة مكنونة في الروح، قيمة يحيى بها بين التحدّي والإنجاز، لذا فهو أرقى المخلوقات لأنه يملك العقل الذي يجنده لأداء تلك القيمة أو الدور الذي يطوّر به ويحيى به مع الآخرين والحيوان والنبات.

هنا نأتي للحديث عن دور التعليم في تفعيل ذلك الدور الذي يبعث على حياة الأجيال القادمة، ذلك من منطلق الحديث عن "عطاء العمل" دون "سوق العمل"، نحن الآن في منعطف التطوّر الإنساني نحو الإنسانية، أي المجتمع الإنساني المتكامل، فكيف لنا أن نتكامل مع الآخرين دون أن نكتشف دورنا في ذلك التكامل! ذلك لقبول الآخر دون إقصاء، ذلك لتقدير عطاء الآخر دون استصغار أو انتقاد، ذلك لشفاء الروح وتحرّرها من سجن العقل.

لقد آن الأوان لعمل نقلة نوعية حقيقية في التعليم الذي دوره أساسي وكبير في تحضير أبنائنا الأعزاء لدورهم في الإعمار الحقيقي للأرض "لا المدمّر بالعمل الجبري وفق سوق العمل"!، آن الأوان لأن يحقق من يحمل روح الهندسة أن يكون مهندسا، آن الأوان لمن يحمل روح الفنان أن يكون فنانا، آن الأوان لمن يحمل روح الطبيب أن يكون طبيبا، وآن الأوان للجميع أن يفعّلوا ما يعشقون عمله لتحقيق قيمهم العليا الذاتية، دون شروط وقيود، ودون تدخل من أولياء الأمور، ودون امتحان قدرات من القائمين على التعليم.

لقد باءت كل تلك المحاولات لمساعدة أبنائنا لاختيار تخصصهم الدراسي والمهني بالفشل، وبالتالي فشلت كل محاولات البناء النفسي لأبنائنا والذي انعكس على أجسادهم بالعلل والأمراض المزمنة، التي سببها الضغط العصبي الذي في الحقيقة نشأ من عدم الإنجاز فيما ينادي به القلب العاشق للقيمة العليا الذاتية، والذي هو سبب الضغط المزمن في أوجه الحياة الأخرى من العلاقات والمال والأسرة والمجتمع، ما وضع نفوسهم في مسارات التدمير دون التعمير! دون الارتقاء الروحي الذي هو الطريق إلى الجنة.. دعوة إلى العودة إلى الروح.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية