منذ 2008 وأنا ضيف دائم على المؤتمر السنوي الذي تعقده شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج)، وهو واحد من أهم المؤتمرات التي تعقد في المنطقة العربية وتتناول جانباً مهماً من جوانب الإعلام، ألا وهو الاستقصاء، الغائب عن الإعلام العربي أحياناً، والمغيَّب أحياناً أخرى لأنه يكشف، ويعرّي، ويواجه، ويضع إصبعه على مواطن الألم.
في كل مؤتمر من هذه المؤتمرات، تقام ورش على الهامش، وهي فرصة للتدريب والتحفيز وتجديد المعلومات، سواء للصحافيين المخضرمين، أو الشباب الذين يتلمسون طرائقهم في هذه المهنة المسكونة بالشغف. وفي كل عام، يزاح التدريب على الأشكال التقليدية من الإعلام، في الكتابة والإذاعة المسموعة والمرئية، للتحول أكثر وأكثر إلى منصات الأفراد، إلى الهواتف الذكية، إلى لأنماط الجديدة من الإعلام التي تغزونا.
الإعلام اليوم لا يحتاج إلى وزارة مسيّجة بالأسلاك، ورجال أمن عابسين أنهكهم التعب، وأعشتهم الشمس خشية السيطرة على الإذاعة والتلفزيون وإذاعة “البيان الأول”، فعندما تجري مقارنة المسجّلين لمتابعة القنوات الرقمية، والإعلام الاجتماعي، سيجد صُنّاع الإعلام التقليدي أنفسهم إما في حالة إنكار، وبالتالي اندثار، أو ركوب الموجة والتغير مع المتغيرات. فعندما استكبر الأب الأصفر (كوداك)، وظنّت الشركة أنها مخلّدة، اضطرّت في يناير 2012 إلى أن تقفل الباب على 130 عاماً من الريادة في التصوير، لأنها لم تحسن التعامل مع التصوير الرقمي وتطوراته الهائلة. كذلك الحال مع سحابة الهواتف المحمولة (نوكيا) التي لفّت العالم، ولكنها للغفلة ذاتها، وتضخمّها الذي جعلها لا تنظر إلى ما يجري تحت أقدامها، انتهى بها الحال في 2013 لأن تبتلع من قبل مايكروسوفت، وهكذا الحال.
أساطير الإعلام، وخصوصاً في العالم الثالث، يعتقدون أن هناك تغيراً مهماً في العالم، ولكنهم يتصرفون كمن يشاهد فيلماً في السينما، لا علاقة له به غير الفرجة، ولكن الأمر بالفعل أكثر ضراوة وتعقيداً، فالكثير من أشكال الإعلام التقليدية ستؤول إلى الانكماش. التاريخ يقول إنه ليست هناك وسيلة إعلامية قضت على وسيلة قبلها، ولكن التاريخ ليس بمنأى عن التحولات الكبرى التي يمكن أن تخترق دوراته.
المسألة لا تتعلق بأشكال الإعلام، ولكن بالمسؤوليات أساساً. ففي الماضي حملت المؤسسات الإعلامية مسؤولية المواجهة، وتمثّل حق الجمهور في المعرفة والاطلاع، وكانت تخوض الصراعات الداخلية بين مجموعة عالية من القيم، ولكن في المستقبل القريب جداً ستتعرض كل هذه اللافتات إلى الخلخلة، إذ أصبح – ومنذ سنوات – بإمكان أيّ كان أن يصبح “الصحافي المواطن”، وبدأ الأمر يفلت من أيادي السلطات حول العالم في تحديد من يقوم بماذا، ومن له الحق في النشر، وعمّا قريب جداً ستعلو الأمواج على قلاع البيروقراطية، وكل هذا يحتاج إلى معالجات حقيقية تنظر للمستقبل، لا من أجل الحد من هذه الاندفاعة التي لن يحدها شيء كما يبدو، ولكن من أجل أن ننجو من طغيانها.