العدد 4323
السبت 15 أغسطس 2020
في أحضان “هيروشيما”
السبت 15 أغسطس 2020

أحيت القوى المحبة للخير والديمقراطية والسلام في العالم قبل أيام ذكرى مرور 75 عاماً على إلقاء السلاح الجوي الأميركي أول قنبلتين نوويتين في التاريخ على مدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين.

وفي منتصف تسعينيات القرن الماضي غداة الاحتفال بالذكرى الخمسين لهذه المناسبة قمت بزيارة عمل صحافية لليابان امتدت ثلاثة أسابيع بدعوة من وزارة خارجيتها؛ وجاء حصادها مثمراً للغاية؛ ليس فقط للتعرف على ثقافة هذا البلد الآسيوي العريق حضارياً والمتفرد في الشرق بحضارته المعاصرة، بل للتعرف أيضاً على ثقافته السياسية؛ وبأي أعين ينظر إلى مشكلاته ومشكلات العالم الراهنة.

وحينما وضع منسق الرحلة - الدبلوماسي بالسفارة اليابانية - أمامي مسودة برنامجها؛ وترك لي ما أود أن أضيفه إليها؛ أضفت على الفور "هيروشيما" التي كانت نصب عيني في هذه الزيارة منذ الوهلة الأولى لاستلامي الدعوة، وإن اشتملت الرحلة على فقرات مهمة أخرى؛ أبرزها: لقاءات مع مسؤولين في وزارة الخارجية، ولقاءات مع شخصيات سياسية ومثقفة مرموقة؛ لقاءات مع قياديي بعض أحزاب المعارضة، ومع النقابات العمالية المعروفة اختصاراً بـ "Ringo"، ومع المستشرق الذي تحظى كتاباته بالإعجاب في عالمنا العربي نو بوأكي نوتاهارا مؤلف الكتاب القيّم الشهير "العرب.. وجهة نظر يابانية"، ومع البروفسور إينوكي الأستاذ في المعهد الدولي لاستراتيجية السلام، كما قمت بزيارة استطلاعية وحوارية مفيدة مع رئيس تحرير صحيفة "أساهي" أعرق وأكبر الصحف اليابانية بحضور هيئة تحريرها.

في البدء كانت الصورة المرتسمة في مخيلتي عن هيروشيما مشاهد المدينة المحطمة المبادة بالحريق النووي؛ وفور وصولي إليها بصحبة مرافقي الأستاذ كيجي شنتاني هالني جمال المدينة الحديثة بعد إعادة إعمارها في فترة قياسية، ولفتت نظري روعة تخطيطها ونظافتها والخضرة التي تتخلل جنباتها وشوارعها؛ وكأنها بذلك طائر فينيق حقيقي خرج من رماد حريقه في صورة أبهى مما كانت عليه خلقته قبل الكارثة.

والحال لم يتبق من شواهد على جريمة الإبادة النووية للمدينة سوى هيكل قبة مبنى "المعرض التجاري" الذي كان ضمن محيط سقوط القنبلة، وبجواره "المتحف التذكاري للقنبلة"، ويحتوي هذا المتحف على أفضل الصور المكبرة لمشاهد يوم الكارثة؛ وبقايا مقتنيات بشرية من ملابس عمل أو عادية لحظة الإبادة الجماعية لسكان المدينة بالقنبلة النووية فور سقوطها. تدخل هذا المتحف وأنت في حالة طبيعية لا تحمل في مخيلتك سوى ما قرأته مسبقاً من أوصاف مهولة لمأساة المدينة في ذلك اليوم المشؤوم؛ وما شاهدته من صور صحافية مأساوية، لكن ما إن تتجول بين مقتنيات المتحف وصوره بمصاحبة موسيقى حزينة مؤثرة فيما تنتابك أحاسيس برائحة الموت الأسود تملأ المكان وتزكم أنفك؛ حتى تخرج وقد اعترتك حالة من الأسى الشديد الممزوج بغضب متفجر في عروقك من هول ما شاهدته طوال المعاينة من جريمة بحق 160 ألفاً من سكان المدينة الأبرياء الذين قضوا نحبهم بفعل المحرقة النووية في ثوان ودقائق معدودة؛ فيما أبادت بالموت البطيء - بعدئذ - عشرات الألوف الآخرين.

وفي ساحة المتحف الخارجية كان من حسن المصادفات أن التقيت بواحد من الناجين المعمرين بصحبة ابنته التي تجر كرسيه المتحرك وتجاذبت معه أطراف حديث قصير عابر عما يتذكره في يوم المذبحة وكيف تفاجأ ذهولا وأين كان، ومن خلفنا ثمة نصب تذكاري لضحايا القنبلة دونت بداخله أسماؤهم، وسنوياً خلال الذكرى تُضاف أسماء جديدة لمن ماتوا بأمراضها. وهنالك في الحديقة أيضاً جرس خُصص ليُقرع مرة كل عام في يوم الذكرى يُعرف بـ "جرس السلام". وفي جانب آخر وعلى قمة برج خرساني عال شيّد تمثال برونزي تذكاري للطفلة "ساداكو" ذات العامين وقت المحرقة وأدخلت المستشفى في العاشرة من عمرها جراء إصابتها بلوكيميا الإشعاع النووي، ولها قصة مؤثرة مشوقة لا يتسع المقام لذكرها؛ لكنها تتصل بممارسة هواياتها البريئة لقتل الفراغ أثناء إقامتها الطويلة في المستشفى. وعلى الرغم من أهوال هذه المذبحة النووية الجماعية التي جعلتها أميركا "مسك" الختام على الجبهة الشرقية الآسيوية، فإنها لم تتعظ أو تندم البتة لتلك الفظائع، تماماً كما كان الحال بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى التي اُعتبرت في حينها الأعظم تاريخياً في وزر أهوالها دون أن يتعظ مشعلوها بعدئذ من ذلك؛ حتى تورط معظمهم - وبالدرجة الأولى ألمانيا النازية - في إضرام الحرب العالمية الثانية الأشد فتكاً من الأولى وحيث ختمتها الولايات المتحدة بجريمة الإبادة النووية بحق المدينتين اليابانيتين. ومازالت تتصدر دول العالم في تطوير منظومات الأسلحة النووية وتعمل حثيثاً على إنتاج ومضاعفة المخزون منها. واليوم إذ مضت 75 سنة على أبشع جريمة إبادة جماعية عرفها تاريخنا الحديث، وإذ كُتب للبشرية البقاء طوال هذه المدة منذ الحرب العالمية الثانية بأعجوبة وسط تكديس هائل وحثيث من مخزون شتى أنواع الأسلحة النووية الذي تمتلكه الدول النووية؛ والذي يكفي لتدمير العالم مرات ومرات، وعلى رأس هذه الدول الولايات المتحدة وروسيا، ووسط توتر دولي غير مسبوق في خطورته مقارنة بالتوتر الدولي الذي سبق الحربين العالميتين الأخيرتين وأفضى إلى اشتعالهما، فهل يُكتب للبشرية النجاة من كابوس خطر حرب عالمية نووية بات يهدد اشتعالها هذه المرة كل أشكال الحياة على كوكبنا وفناء العالم برمته؟.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .