العدد 6490
الأربعاء 22 يوليو 2026
نظرية المرتكز السعري "Price Anchoring Theory" القصة التي لا يخبرك عنها البائعون
الخميس 02 أكتوبر 2025

مدخل تمهيدي: لماذا أبدأ بقصة؟

في هذا المقال، أبدأ بقصة قد تبدو بسيطة، لكنها تحمل بين سطورها درساً تسويقياً عميقاً. ففي عالم المبيعات، لا يتم اتخاذ القرارات الشرائية دائماً بالعقل والمنطق، بل غالباً ما تُصاغ تحت تأثير استراتيجيات نفسية ذكية لا نعيها تماماً. إحدى هذه الاستراتيجيات هي نظرية "المرتكز السعري"، وسنقاربها من خلال قصة واقعية يمكن أن تحدث لأيٍّ منا.

قصة سامي وفاطمة: حين يخدعك ذكاؤك

في أحد أيام الربيع، توجه "سامي" وزوجته "فاطمة" إلى معرض للأثاث بحثاً عن غرفة نوم متوسطة السعر استعداداً لزواجهما. ما إن دخلا المعرض حتى لفت نظرهما سرير فاخر بتصميم ملكي معروض بسعر (3500 د.ب). ابتسم سامي بسخرية داخلية قائلاً: "هذا سعر خيالي"، وواصلا جولتهما حتى وجدا غرفة نوم أنيقة ومتكاملة بسعر (1950 د.ب)، فبدت لهما وكأنها صفقة العمر، ولم يترددا في شرائها.

لكن ما لم يدركه سامي وفاطمة هو أنهما لم يتخذا هذا القرار بعفوية تامة. بل وقعا في فخ استراتيجي يُعرف في علم التسويق بـ “المرتكز السعري"، حيث صُمّم السعر الأعلى خصيصاً ليجعلهما يشعران أن العرض الثاني أكثر عقلانية، بينما في الحقيقة لا يعرفان السعر العادل للسوق.

ما هي نظرية المرتكز السعري؟

المرتكز السعري هو ببساطة السعر الأول الذي يواجهه المستهلك، ويُستخدم كمرجع ذهني تُقارن به باقي الأسعار. هذا السعر يصبح معياراً داخلياً يُقاس عليه كل ما يأتي بعده، حتى وإن لم يكن منطقياً أو مرتبطاً بالقيمة الحقيقية للمنتج.

وقد وثّق هذا المفهوم عالم الاقتصاد السلوكي الشهير "دان أرييلي"، الذي بيّن كيف يمكن لهذه "المرتكزات" أن تؤثر على قراراتنا دون وعي مباشر، وأن تُغيّر طريقة تقييمنا للقيمة بشكل غير عقلاني أحياناً.

أين نواجه هذه الاستراتيجية؟

تُستخدم هذه النظرية بكثرة في حياتنا اليومية دون أن نشعر. فالمتاجر، والمطاعم، وحتى المنصات الرقمية تطبّقها لتوجيه قراراتنا الشرائية.

في المتاجر، كثيراً ما نرى أسعاراً مشطوبة، مثل حذاء كان سعره (90 د.ب) وأصبح (55 د.ب). المقارنة هنا لا تكون مع القيمة الفعلية، بل مع السعر الأول الذي زُرع في ذهننا. في المطاعم، تُعرض الأطباق الأغلى أولاً، فتبدو الخيارات الأقل سعراً أكثر منطقية. أما في المنصات التعليمية، تُعرض دورات تدريبية بسعر مرتفع بجانب باقات أقل تكلفة، فتبدو الأخيرة وكأنها فرصة لا تُفوّت.

أمثلة من السوق المحلي

هذه الاستراتيجية ليست حكراً على الأسواق العالمية، بل تُستخدم بذكاء في أسواقنا المحلية أيضاً.

في متاجر الإلكترونيات مثل "إكسترا"، تُعرض الهواتف بأسعار مشطوبة لتوحي بتخفيضات كبيرة، كأن يُعرض هاتف بسعر (340 د.ب) ثم يُخفض إلى (279 د.ب).

أما في متاجر الأزياء مثل "سنتربوينت" و"شو مارت"، توضع الأحذية الأعلى سعرًا في الواجهة، لتبدو الخيارات الأقل سعراً بمثابة قرارات ذكية.

حتى معارض السيارات، مثل "تويوتا" و"نيسان"، تستخدم طرازات فاخرة في الواجهة لتُبرز الطرازات المتوسطة كفرص لا تُعوض، رغم أنها قد تكون السعر الطبيعي للسوق.

كيف تستفيد من هذه الاستراتيجية؟

سواء كنت مستهلكاً واعياً أو رائد أعمال، فإن فهم هذه النظرية يمنحك قوة نفسية واقتصادية في التعامل مع السوق.

إذا كنت صاحب مشروع، فبإمكانك توظيف المرتكز السعري ببساطة ودون تكاليف باهظة. يمكنك تصميم باقات تسعير متعددة لمنتجك أو خدمتك، مع إدراج خيار مرتفع السعر وغير جذّاب عمداً، لجعل الخيار الأوسط يبدو متوازناً ومغرياً.

كذلك، فإن إبراز الخصومات بشكل ذكي، من خلال عرض السعر الجديد بجانب السعر الأصلي، يمنح الزبون شعوراً بالربح الذاتي. هذه ليست مجرد أرقام، بل إحساس بالتفوق والذكاء.

أما استخدام ما يُعرف بـ"السعر المرساة"، أي عرض منتج بسعر أعلى من قيمته السوقية فقط ليُقارن به العرض الحقيقي، فهو من أكثر الأدوات تأثيراً في التسويق، بشرط أن يُستخدم بأخلاقيات وشفافية.

أخلاقيات التسويق مهمة... فلا تغفلها

صحيح أن هذه الاستراتيجيات فعّالة ومؤثرة، لكنها ليست دعوة للتلاعب. بل هي أدوات يمكن استخدامها لتعزيز تجربة الزبون، وتبسيط خياراته في سوق يعجّ بالتشابه والتعقيد.

على رائد الأعمال أن يدرك أن الهدف ليس التضليل، بل خلق توازن نفسي يساعد العميل على اتخاذ قراره بثقة. المصداقية هنا ليست خياراً، بل ضرورة لبناء ولاء حقيقي.

الخاتمة: السعر ليس رقماً... بل إحساس

حين غادر سامي وفاطمة المعرض، شعرا بالرضا عن قرارهما، لكنهما لم يدركا أن أول سعر رأياه هو من شكّل تفكيرهما، ووجّه قرارهما.

السعر المرتكز ليس مجرد رقم يُكتب على بطاقة، بل زرّ نفسي يُضغط في لحظة معينة لتحفيز سلوك شرائي كامل. ومن يُحسن توظيف هذا الزر، يستطيع أن يبيع في وقت قصير وبأقل مجهود.

ولرواد الأعمال، تظل هذه النظرية سلاحاً ذكياً في معركة كسب ولاء العملاء. فهل أنت مستعد لاستخدامه في مشروعك القادم؟

*أكاديمي بحريني

هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .