العدد 6452
الأحد 14 يونيو 2026
المجالس الرمضانية في البحرين: تجربة ملهمة للأجانب والمقيمين
الأحد 09 مارس 2025

تعتبر المجالس الرمضانية في البحرين فضاءً عامًا (Majalis of Ramadan as a Public Sphere) تزدهر فيه ثقافة الضيافة، حيث تجمع المجالس بين أفراد المجتمع المحلي والمقيمين والأجانب في جو من الألفة والاحترام. تشكل هذه المجالس فرصة مميزة للأجانب للتعرف على العادات البحرينية الثقافية، المادية وغير المادية. فعند الغوص في الفكر البحريني يستكشف المقيم منطق أهل البحرين الذهني غير المادي الفريد والمتميز وعلى وذوقه الرفيع المضياف. ومن خلال شهر رمضان يتمكن الضيوف من التعرف على المنتجات المادية من الأطعمة البحرينية التقليدية مثل التمر، القهوة العربية، الحلوى البحرينية الشهيرة، والأطباق المحلية التي تعكس تنوع المطبخ البحريني. وتتنوع المجالس إلى فئات متعددة: رجالية، نسائية، وأخرى مختلطة، مما يتيح للجميع، سواء كانوا مواطنين أو مقيمين، المشاركة في هذه التجربة الغنية.

لا تقتصر المجالس الرمضانية في البحرين على كونها تجمعات اجتماعية فحسب، بل هي تجسيد حي للثقافة البحرينية التي تشتهر بالتسامح والانفتاح. مع غروب شمس كل يوم من أيام رمضان، تفتح أبواب المجالس البحرينية أمام ضيوف من جميع الجنسيات والأديان ليكونوا جزءًا من هذه التجربة الإنسانية الغنية (Cultural and Social Integration) . سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، رجالًا أو نساءً، يجد الجميع في هذه المجالس الترحيب والاحترام، مما يعكس الروح البحرينية التي تدعو إلى الوحدة والتعايش السلمي بين مختلف الثقافات والأديان.

هذه المجالس تشكل مساحة فريدة للتواصل بين الأفراد من خلفيات مختلفة، مما يعزز الروابط بين المجتمع البحريني والمقيمين.

المجالس الرمضانية في البحرين ليست فقط أماكن لتبادل الحديث، بل هي منصات حيوية للشورى والحوار المجتمعي يتم فيها النقاش الفكري A Platform for Dialogue)   ) وتبادل الآراء بين أفراد المجتمع. يلاحظ العديد من المقيمين الأجانب، من الأمريكيين، الأوروبيين، الروس وغيرهم، كيف يتم تبادل الآراء بحرية تامة حول القضايا الاجتماعية، الاقتصادية، والثقافية، بعيدًا عن الأنظمة الرسمية. تمثل هذه المجالس جزءًا أساسيًا من الثقافة البحرينية العميقة، التي تعكس التفاعل الاجتماعي والاحترام المتبادل بين أفراد المجتمع. من خلال هذه النقاشات، تتيح المجالس المجال للجميع للوصول إلى حلول عملية للقضايا المحورية بطريقة تحترم التنوع الفكري وتغني التجربة الثقافية.

يكتشف المقيم أن هناك علاقة وطيدة بين المجالس والمجتمعات المنضبطة يدرك عقلاء الوافدين أن للمجالس الرمضانية أهمية في المجتمع البحريني. يقرأ الوافد أن المجالس أماكن اجتماعات عامة، جعلها البحريني ورشًا يتدرب روادها فيها على نبذ المشادّات الكلامية العشوائية والتصرفات الانفعالية في الأماكن العامة، لصالح الانضباط تحت سلوكيات تضمن من ناحية حق التعبير، ومن ناحية أخرى استقرار وسلامة المجتمع من الانقسام والتفكك. فعندما ينجح البحريني في ضبط سلوكيات الفرد في الفضاء العام، سيتمكن، بحكم آلية التراكم الإيجابي، من خلق مجتمع ذي أعراف وسلوكيات جمعيّة منضبطة، مما يسهل تنظيمه تحت إطار قوانين وسياسات الدولة المستقرة.

ولتجذير قيمة الانضباط في الوعي المجتمعي، استحدث البحرينيون ألقابًا مثل "أصيل"، "ابن الأصول"، "ذرب"، و"التكانة"، وهي ألفاظ يُطلقها البحريني على من تخرّج من مجالسه متعلمًا سلوك المقبولات مجتمعيًا، من طرق التفكير والعمل والكلام، وفن الإنصات، وفن الجدل، وحدود الاختلاف في الفضاء العام، وذلك من أجل ترويض الذات والوصول بها إلى تحقيق الأهداف المؤسسية في إطار قوانين وسياسات الانضباط العام.

حافظ البحرينيون على المجالس الرمضانية لمئات السنين، وواصلوا إعادة إنتاج تراث سلوك الانضباط من خلالها، كما نقلوا مهارات الانخراط في حياة الجدل والاختلاف وإبداء الرأي عبر آليات متعارف عليها، تُمرَّر من جيل مجالس الأجداد إلى جيل مجالس الأحفاد. وقد نجحوا في تخريج أجيال من "أبناء الأصول"، المهرة في حل النزاعات سلميًا، وممارسة الحوار المدني، والاستماع الإيجابي، واحترام رأي الآخرين.

كما تلعب المجالس الرمضانية في البحرين دورًا رئيسيًا في تعزيز العلاقات الدبلوماسية والثقافية (Cultural Diplomacy).

يحرص الدبلوماسيون وسفراء الدول المعتمدون في البحرين على زيارة المجالس الرمضانية سنويًا، حيث تعد هذه المجالس فرصة لتعزيز التفاهم الثقافي وبناء جسور من التعاون بين البحرين والدول الأخرى. تُفتح المجالس أبوابها للنقاش حول القضايا الاجتماعية، الثقافية، والاقتصادية، مما يجعلها منصات حوارية غنية يتم فيها تبادل الأفكار والرؤى بين المفكرين، رجال الأعمال، وصناع القرار.

تمثل هذه اللقاءات فرصة مثالية للتفاعل بين الثقافات المختلفة في جو من الاحترام المتبادل، مما يسهم في تعزيز الفهم المشترك بين البحرين وبقية دول العالم.

من بين الشخصيات التي تأثرت بتجربة المجالس الرمضانية، رجل الأعمال النرويجي السيد فرانك آيكل لاند، المقيم في البحرين منذ عدة أعوام. بعد زيارته لمجالس رمضان لعدة سنوات ورؤيته كيف يتم استقبال وإكرام رواد المجالس، قرر أن يخوض تجربة "المعزّب" البحريني. فقام باستضافة مجلس رمضاني خاص به، حيث استأجر قاعة في فندق "الدومين" ودعا أصدقاءه من البحرين ومن مختلف الجنسيات ليختبروا مدى إعجابه بتقليد المجالس الرمضانية البحرينية. قام النرويجي السيد فرانك بإعادة تطبيق ما تعلمه من المجالس الرمضانية البحرينية. فنجده يقوم واقفا يرحب بضيوفه، يصافحهم، ويقدم لهم التوجيبات المناسبة لأجواء رمضان البحرينية الأصيلة، حيث قدّم القهوة العربية، التمر، الحلوى البحرينية التقليدية، وأطباقًا محلية خفيفة. وعن تجربته، قال فرانك: "كانت تجربة رائعة جعلتني أشعر بروح التلاحم والضيافة البحرينية. تأثرت كثيرًا بالترحيب والدفء الاجتماعي، وسأواصل هذه التجربة كل عام."

هكذا يمكننا القول أن تمثل المجالس الرمضانية في البحرين تجربة فريدة للأجانب المقيمين، سواء كانوا رجال أعمال أو دبلوماسيين، حيث يكتسبون من خلالها فهمًا أعمق للثقافة البحرينية وقيمها الراسخة. فمن خلال حضورهم لهذه المجالس، يتعلمون عن تقاليد الضيافة البحرينية الأصيلة، وأدبيات الحوار والنقاش التي تعكس روح التسامح والانفتاح. كما يختبرون أساليب التفاعل الاجتماعي التي تقوم على الاستماع الإيجابي، واحترام وجهات النظر المختلفة، وإدارة النقاشات بروح ودية بعيدة عن الجدال العقيم.
 

*أخصائي تراث وسياحة

هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .