+A
A-

التضخم بعد حرب إيران.. لماذا أصبحت الثقة أخطر من النفط؟

  • 20 % من استهلاك العالم للسوائل النفطية يمر عبر مضيق هرمز

  • 3 % توقعات نمو الاقتصاد العالمي في 2026

  • 4.7 % توقعات التضخم العالمي في 2026



في عالم الاقتصاد لا تبدأ كل موجة تضخم من البنوك المركزية ولا تنتهي عند أسعار النفط، فالتجارب الحديثة أثبتت أن التضخم أصبح ظاهرة أكثر تعقيدا تتداخل فيها الجغرافيا السياسية مع سلوك المستهلكين وتتقاطع فيها قرارات الحكومات مع توقعات الأسواق، ومن هذا المنطلق لا تبدو الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد أزمة أمنية أو عسكرية بل اختبار جديد لقدرة الاقتصاد العالمي على احتواء الصدمات قبل أن تتحول إلى موجة تضخمية جديدة.

فعندما قفزت أسعار النفط مع تصاعد التوترات العسكرية عاد إلى الأذهان مشهد أزمات السبعينات حين كان كل ارتفاع في أسعار الخام يترجم تلقائيا إلى تضخم عالمي مرتفع، إلا أن الاقتصاد العالمي اليوم يختلف جذريا فأسواق الطاقة أصبحت أكثر تنوعا وسلاسل الإمداد أكثر تشعبا والبنوك المركزية أكثر استقلالية، بينما أصبحت توقعات التضخم وثقة الأسواق عنصرا لا يقل تأثيرا عن أسعار الطاقة نفسها.
وتشير أحدث تقديرات صندوق النقد الدولي الصادرة في يوليو 2026 إلى أن الاقتصاد العالمي ما زال يحتفظ بقدر من الصمود مع توقعات بنمو يبلغ 3 % في العام 2026، يرتفع إلى 3.4 % في العام 2027 وفي المقابل رفع الصندوق توقعاته للتضخم العالمي إلى 4.7 %، هذا العام مؤكدا أن مسار تراجع التضخم الذي بدأ بعد أزمة الجائحة فقد جزءا من زخمه، وأن التوترات الجيوسياسية أصبحت من أبرز المخاطر التي قد تؤخر عودة الأسعار إلى مستوياتها المستهدفة.

ومن هنا يبرز سؤال اقتصادي أكثر أهمية من سؤال “كم سيرتفع سعر النفط؟” وهو “كيف تتحول الصدمة الجيوسياسية إلى تضخم يستمر سنوات؟”، فالإجابة لم تعد تكمن في أسواق الطاقة وحدها بل في الطريقة التي تستجيب بها الأسر والشركات والحكومات والبنوك المركزية لهذه الصدمة.

وهذا ما يجعل الحرب الأخيرة مختلفة عن كثير من الأزمات السابقة فهي لم تختبر فقط أمن إمدادات الطاقة بل اختبرت أيضا قدرة المؤسسات الاقتصادية على الحفاظ على ثقة الأسواق، فالنفط قد يشعل الشرارة الأولى لكن استمرار التضخم يتوقف في النهاية على ما إذا كانت هذه الشرارة ستتحول إلى توقعات راسخة وسلوك اقتصادي جديد.

النفط يشعل الشرارة
على الرغم من أن الحرب الأخيرة أعادت أسعار النفط إلى واجهة المشهد الاقتصادي، فإن الاعتقاد بأن ارتفاع الخام وحده كفيل بإطلاق موجة تضخم طويلة أصبح أقل دقة مما كان عليه قبل نصف قرن، ففي سبعينات القرن الماضي كانت الاقتصادات الصناعية تعتمد بصورة أكبر على النفط وكانت البنوك المركزية أقل استقلالية، لذلك كانت صدمات الطاقة تنتقل بسرعة إلى مختلف الأسعار، أما اليوم فقد أصبح الاقتصاد العالمي أكثر قدرة على امتصاص الصدمات بفضل تنوع مصادر الإمدادات وارتفاع المخزونات الاستراتيجية وتحسن كفاءة استخدام الطاقة وتطور أسواق العقود المستقبلية التي تساعد على توزيع المخاطر.

ومع ذلك لا يزال النفط يمثل نقطة الانطلاق لأي موجة تضخمية جديدة خصوصا عندما ترتبط الاضطرابات بمنطقة الخليج التي يمر عبرها نحو خمس استهلاك العالم من السوائل النفطية عبر مضيق هرمز، فأي ارتفاع في أسعار الخام ينعكس سريعا على تكاليف النقل والشحن والتأمين ثم ينتقل تدريجيًا إلى تكاليف الإنتاج قبل أن يظهر في أسعار السلع والخدمات التي يتحملها المستهلك.

لكن التجربة الحديثة تؤكد أن مدة الصدمة أصبحت أكثر أهمية من حجمها، فإذا بقيت اضطرابات الطاقة مؤقتة فإن أثرها في التضخم غالبا ما يتراجع مع استقرار الأسواق أما إذا استمرت التوترات الجيوسياسية أو امتدت إلى تعطل سلاسل الإمداد والتجارة العالمية، فإن الضغوط السعرية تبدأ بالانتقال إلى قطاعات لا ترتبط مباشرة بالطاقة لتتحول من صدمة مؤقتة إلى تضخم أكثر اتساعا واستدامة.

وتعكس أحدث تقديرات صندوق النقد الدولي هذه الصورة، فالصندوق لا يتوقع دخول الاقتصاد العالمي في ركود إذ يرجح نموا يبلغ 3 % في العام 2026 لكنه في المقابل رفع توقعاته للتضخم العالمي إلى 4.7 % في إشارة إلى أن الخطر الحقيقي لم يعد يتمثل في نقص الإمدادات النفطية بقدر ما يتمثل في قدرة الصدمات الجيوسياسية على إبقاء الضغوط السعرية مرتفعة فترة أطول.

ومن وجهة نظري فإن أكبر خطأ يقع فيه كثير من المحللين هو اختزال التضخم في سعر برميل النفط، فالتاريخ الاقتصادي يوضح أن النفط قد يشعل الشرارة الأولى لكنه لا يفسر وحده استمرار التضخم، وما يحسم مسار الأسعار في النهاية ليس حجم الارتفاع الأولي في الطاقة بل قدرة الاقتصادات على احتواء آثار تلك الصدمة قبل أن تمتد إلى بقية مكونات الاقتصاد.

التضخم والخوف 
إذا كان النفط يفسر بداية الصدمة فإنه لا يفسر استمرارها، فالاقتصاديون اليوم ينظرون إلى توقعات التضخم باعتبارها الحلقة الأكثر حساسية في انتقال الأزمات الجيوسياسية إلى الاقتصاد الحقيقي، فحين ترتفع أسعار الطاقة بسبب حرب أو أزمة مؤقتة لا يصبح التضخم مشكلة طويلة الأمد إلا إذا اقتنع المستهلكون والشركات بأن هذه الزيادات ستستمر.

فعندما تتوقع الأسر ارتفاع الأسعار فإنها تقدم على شراء السلع قبل أن تصبح أكثر تكلفة بينما ترفع الشركات أسعار منتجاتها استباقيا لحماية هوامش أرباحها، ويطالب العاملون بزيادات في الأجور للحفاظ على قدرتهم الشرائية، وهكذا تتحول التوقعات إلى سلوك اقتصادي ويتحول السلوك إلى تضخم فعلي، حتى لو بدأت صدمة الأسعار في التراجع.

ولهذا السبب لم تعد البنوك المركزية تراقب أسعار النفط وحدها بل تتابع أيضا مؤشرات توقعات التضخم وثقة المستهلكين وأسواق السندات لأنها تكشف مبكرا عما إذا كانت الصدمة ستبقى مؤقتة أم ستترسخ داخل الاقتصاد.

وتؤكد أحدث البيانات أن هذه المعركة لم تحسم بعد ففي الولايات المتحدة بلغ معدل التضخم السنوي 3.5 % في يونيو 2026، بينما سجل التضخم الأساسي الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة 2.6 %، وهو ما يعكس استمرار الضغوط السعرية في مكونات الاقتصاد الأساسية على رغم تراجعه مقارنة بالشهر السابق، أما في منطقة اليورو فقد بلغ التضخم 2.8 %، وهو أعلى من مستهدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2 %، بما يشير إلى أن الطريق نحو استقرار الأسعار لا يزال أطول مما كانت تتوقعه الأسواق قبل أشهر.

ولا يقتصر الأمر على بيانات الأسعار بل يمتد إلى ما يتوقعه المستهلكون أنفسهم، فقد أظهر مسح بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك ارتفاع توقعات التضخم في الاثني عشر شهرا المقبلة إلى 3.7 %، في حين بقيت توقعات السنوات الخمس عند نحو 3 %، وهو ما يعكس أن الأسر تتوقع استمرار الضغوط السعرية في الأجل القصير لكنها لا تزال تثق بقدرة السياسة النقدية على إعادة التضخم إلى مساره الطبيعي على المدى الطويل.

ومن جهة أخرى ما زالت مؤشرات الأسواق المالية تعكس توقعات بأن التضخم سيعود تدريجيا إلى مستويات قريبة من مستهدفات البنوك المركزية، وهو ما يعني أن الثقة لم تفقد بعد لكنها أصبحت أكثر هشاشة، وهذه النقطة هي الفارق بين أزمة تضخم مؤقتة وأخرى قد تستمر سنوات، فطالما بقيت توقعات التضخم مستقرة تستطيع البنوك المركزية احتواء الصدمة بكلفة أقل، أما إذا فقدت الأسواق ثقتها فإن إعادة التضخم إلى مستهدفاته ستتطلب أسعار فائدة أعلى وتباطؤا اقتصاديا أكبر وربما ارتفاعا في معدلات البطالة.

ومن وجهة نظري فإن أخطر ما كشفت عنه الحرب الأخيرة ليس ارتفاع أسعار النفط بل سهولة انتقال الخوف إلى القرارات الاقتصادية، فالنفط قد يرتفع ثم يتراجع في أسابيع أما إذا تغيرت توقعات الأسر والشركات، فإن التضخم يتحول من صدمة مؤقتة إلى سلوك اقتصادي يصعب احتواؤه، ولهذا فإن المعركة الحقيقية للبنوك المركزية لا تخاض في أسواق النفط بل في الحفاظ على ثقة المستهلكين والمستثمرين بأن استقرار الأسعار سيبقى هدفا قابلا للتحقيق.

الحروب لا تصنع التضخم
إذا كانت صدمة الطاقة تمثل الشرارة الأولى وكانت توقعات التضخم تحدد سرعة انتشارها فإن السياسات الاقتصادية هي التي تحسم في النهاية ما إذا كانت الأزمة ستنتهي في أشهر أم ستتحول إلى موجة تضخمية طويلة الأمد، فالتاريخ الاقتصادي يبين أن الحروب لا تنتج دائما النتائج نفسها لأن الفارق الحقيقي يكمن في طريقة استجابة الحكومات والبنوك المركزية لها.

وفي كل أزمة كبرى تواجه الحكومات معادلة معقدة فهي مطالبة بحماية الأسر والشركات من ارتفاع تكاليف المعيشة، وفي الوقت نفسه مطالبة بالحفاظ على استقرار الأسعار، لكن المشكلة أن توسيع الإنفاق العام بصورة غير مدروسة قد يؤدي إلى زيادة الطلب في وقت يعاني فيه الاقتصاد أصلًا قيودًا في جانب العرض وهو ما قد يفاقم الضغوط التضخمية بدلا من احتوائها.

وقد كشفت التجربة التي أعقبت جائحة كورونا عن أن حجم الإنفاق ليس العامل الحاسم بل جودة الإنفاق وتوقيته، فقد نجحت برامج التحفيز المالي في تجنب ركود عالمي عميق لكنها ساهمت في بعض الاقتصادات في إطالة أمد التضخم عندما تزامنت مع اختناقات سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة، ومن هنا أصبح التنسيق بين السياسة المالية والسياسة النقدية أكثر أهمية من أي وقت مضى.

وتأتي هذه التحديات في وقت يتوقع فيه صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3 % في العام 2026 مع بقاء التضخم العالمي عند 4.7 %، وهو ما يعني أن الحكومات لم تعد تمتلك المساحة المالية نفسها التي كانت متاحة في فترة الجائحة، فالتوسع في الإنفاق الاستهلاكي قد يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة فترة أطول بما يرفع تكلفة التمويل ويبطئ الاستثمار والنمو الاقتصادي.

أما في دول مجلس التعاون الخليجي فتبدو الصورة مختلفة نسبيا، فارتفاع الإيرادات النفطية في السنوات الأخيرة وفر للحكومات هامشا ماليا أكبر للتعامل مع الصدمات مقارنة بالعديد من الاقتصادات المستوردة للطاقة، ومع ذلك فإن اقتصادات الخليج ليست بمنأى عن الضغوط التضخمية فهي تعتمد بدرجات متفاوتة على الواردات كما أن ارتباط معظم عملاتها بالدولار يجعلها تواكب إلى حد كبير توجهات السياسة النقدية الأميركية حتى إن اختلفت أوضاعها الاقتصادية الداخلية.

ومن هنا لم يعد نجاح السياسات الاقتصادية يقاس بحجم الإنفاق بل بقدرتها على رفع الطاقة الإنتاجية للاقتصاد، فالاستثمار في البنية التحتية وسلاسل الإمداد والتحول الرقمي وكفاءة الخدمات اللوجستية يعزز قدرة الاقتصاد على استيعاب الصدمات ويخفف الضغوط التضخمية مستقبلا، أما الإنفاق الذي يركز على تحفيز الاستهلاك دون زيادة الإنتاج فقد يمنح الاقتصاد دفعة مؤقتة لكنه قد يترك وراءه ضغوطا تضخمية تستمر فترة أطول.

الحرب الأخيرة أعادت تأكيد أن كفاءة السياسات الاقتصادية أصبحت لا تقل أهمية عن حجم الموارد المالية، فالدول التي تمتلك القدرة على توجيه الإنفاق نحو تعزيز الإنتاجية ومرونة الاقتصاد ستكون أكثر قدرة على احتواء التضخم، بينما قد تجد الدول التي تعتمد على حلول قصيرة الأجل نفسها مضطرة إلى مواجهة أسعار فائدة مرتفعة وتباطؤ اقتصادي فترة أطول.