حين تحولت رحلة الفرح إلى مأساة
“طبعة البلاد القديم”.. .. قصة أليمة خلدها التاريخ والشعر والذاكرة الشعبية

تُعد فاجعة “طبعة البلاد القديم” من أكبر الكوارث البحرية في تاريخ البحرين، إذ وقعت صباح الجمعة 6 مايو 1949 أي قبل 77 عاما، عندما انقلب جالبوت كان يعرف باسم “جالبوت مخيمر” كان يقل عشرات الرجال والنساء والأطفال في رحلة بحرية من سواحل البلاد القديم إلى جزيرة النبي صالح. وخلال دقائق هبت رياح عاتية قلبت السفينة، ويُروى أن شراعها المنهار حال دون نجاة كثير من الركاب وراح ضحيته 41 مواطنا من الرجال والنساء والأطفال والشباب، لتدخل البلاد القديم في حداد عميق، ويظل ذلك العام معروفًا بين الأهالي باسم “سنة الطبعة”.

بين الذاكرة الشفهية والتوثيق
ولم تكن هذه الحادثة مجرد كارثة بحرية عابرة، بل أصبحت جزءًا من الوجدان البحريني، تناقلتها الأجيال شفهيًا لعقود طويلة، حتى جاءت جهود الباحثين والمؤرخين لتوثيقها بصورة علمية تحفظ تفاصيلها للأجيال القادمة، وظل الأهالي يروون تفاصيل “الطبعة” في المجالس والمآتم والبيوت، إلى أن بادر الباحث الدكتور عبدالعزيز يوسف حمزة إلى توثيقها في كتاب وفيلم وثائقي بعنوان “طبعة البلاد القديم”، بعد رحلة بحث ميدانية اعتمدت على شهادات الناجين وأهالي الضحايا والمعاصرين للحادثة، إضافة إلى الوثائق والصور التاريخية.
كما أولت الصحافة البحرينية اهتمامًا كبيرًا بهذه الفاجعة، فنشرت شهادات حية وتقارير توثيقية سلطت الضوء على عمليات الإنقاذ، ونقل الجثامين، والدفن، وحالة الحزن التي خيمت على القرية لأكثر من عام، لتتحول “الطبعة” من رواية شعبية متناقلة إلى صفحة موثقة من صفحات التاريخ الوطني.
آخر شاهد عيان
ومن أبرز الشهادات التي حفظت تفاصيل الكارثة، شهادة المرحوم عبدالمهدي البصري وكان آخر شاهد عيان، وكان يعمل في سوق المنامة عندما دوى صوت المنادي مستغيثا بالأهالي للتوجه إلى الساحل بعد انقلاب السفينة، وروى كيف هرع مع أبناء القرية للمشاركة في انتشال الضحايا، وكيف بقيت مشاهد الجثامين والجنائز عالقة في ذاكرته طوال حياته، كما تحدث عن مشاهد وصفها بأنها من ألطاف الله، منها نجاة رضيعة حملها مهدها فوق الأمواج حتى وصلت إلى بر الأمان، في وقت غرق فيه عدد من الرجال المعروفين بقوتهم وإجادتهم السباحة.
في ذلك اليوم، هرع الأهالي منذ الساعات الأولى إلى الساحل، وكانت الجثامين تصل تباعا، ثم تُنقل إلى مغتسل القرية، حيث تُصلى عليها صلاة الجنازة قبل دفنها في مقبرة البلاد القديم ومقبرة أبوعنبرة التاريخية، فيما تحولت المآتم والمساجد والبيوت إلى مجالس عزاء استقبلت جموع المعزين، في واحدة من أكبر المآسي الاجتماعية التي عرفتها البحرين في القرن العشرين.
نجاة طفلة في مهدها
ويواصل المهتم بالتراث والتاريخ، مدير شبكة البلاد القديم “العاصمة القديمة”، حسين المديفع، جهوده في توثيق هذه الفاجعة وإحياء تفاصيلها التاريخية، مستندا إلى الروايات الشفوية وشهادات المعاصرين والمصادر المكتوبة، بهدف حفظ هذا الإرث الوطني من النسيان، ويشير إلى أن الرحلة التي انطلقت وسط أجواء من الفرح والأمل انتهت خلال دقائق إلى مأساة إنسانية هزت البحرين بأسرها، كما يتوقف عند عدد من المشاهد المؤثرة، ومنها نجاة الكفيف الملا عبدالله أبو طاهر، إضافة إلى نجاة رضيعة حملها مهدها الخشبي فوق الأمواج حتى وصلت سالمة إلى الشاطئ.
ويؤكد أن توثيق “الطبعة” ليس استذكارًا لماضٍ مؤلم فحسب، بل حفاظ على جزء أصيل من الذاكرة الوطنية والتراث الاجتماعي، حتى تبقى هذه الفاجعة حاضرة في وجدان الأجيال المقبلة، ولم تغب “طبعة البلاد القديم” عن الأدب الشعبي، فقد خلّدها الشاعر الملا عطية الجمري بقصيدة مؤثرة، وصف فيها لحظة انقلاب الجالبوت، واكتظاظه بالنساء والأطفال، وسرعة وقوع الكارثة، ووثّق عدد الضحايا بقوله:
مصاب أهل البلاد الجايدة اخباره
شعبني ويا قلب ما تشتعل ناره
على امصاب البلاد الروح مشعوبة
ودموم اقلوبنا امن العين مصبوبه
واحد واربعين بالضبط محسوبة
النبي صالح اشصابه ولا درك جاره
وبذلك أصبحت القصيدة من أبرز الشواهد الأدبية التي حفظت تفاصيل هذه المأساة في الذاكرة البحرينية، إلى جانب الروايات الشفوية والوثائق التاريخية، لتبقى “طبعة البلاد القديم” شاهدًا خالدًا على واحدة من أشد المحن التي مرت بها البحرين، وعلى تماسك مجتمعها في مواجهة الألم والفقد.
