داعيا إلى تشديد الرقابة على جميع ممارسي المهن الطبية
خبير عالمي لـ “البلاد”: 3 ملايين وفاة سنويا بسبب الأخطاء الطبية
-
جراحات السمنة تتطلب إشرافا مباشرا من استشاري متخصص
-
نقص المعلومات المقدمة للمريض يُعد خطأ طبيا مستقلا
-
الحبس 5 سنوات لممارسة الطب خارج التخصص
-
التخصص الدقيق يحمي حياة المرضى
-
نحتاج جهة مستقلة للأخطاء الطبية

أكد الخبير القانوني العالمي المتخصص في قضايا الأخطاء الطبية د.خالد الدويري أن الأخطاء الطبية لم تعد مجرد حالات فردية، بل أصبحت ظاهرة تستوجب تطوير المنظومة التشريعية والرقابية بما يواكب التطورات المتسارعة في القطاع الصحي، داعيًا إلى إنشاء جهة قانونية مستقلة ومتخصصة للنظر في قضايا الأخطاء الطبية، وتسريع إجراءات إصدار التقارير الفنية بما يضمن تحقيق العدالة للمريض والطبيب على حد سواء.
وقال الدويري في حوار مع “البلاد”، إن الإحصاءات العالمية تشير إلى أن الأخطاء الطبية تتسبب في نحو 3 ملايين حالة وفاة سنويًا؛ الأمر الذي يعكس أهمية تبني تشريعات حديثة تعزز سلامة الممارسة الطبية وترسخ المسؤولية المهنية، كما شدد على ضرورة إخضاع شهادات وخبرات الممارسين الصحيين للتدقيق، وتكثيف برامج التدريب والتأهيل، وإلزام الأطباء بالتطوير المهني المستمر ومواكبة المستجدات العلمية.
وأشار إلى أن المشرع البحريني قدم خطوة مهمة بتعديل المادة (29) من المرسوم بقانون رقم (7) للسنة 1989 بشأن تنظيم مهنة الطب، من خلال تشديد العقوبات على ممارسة المهنة خارج نطاق التخصص، مؤكدًا أن الالتزام بالتخصص الدقيق يمثل إحدى الركائز الأساسية لحماية المرضى وتعزيز جودة الرعاية الصحية.
وتناول الدويري خلال الحوار عددًا من المحاور، من بينها مفهوم الخطأ الطبي، ومسؤولية الطبيب، ودور الخبرة الطبية، وآليات التعويض عن الأضرار، والتحديات التي تواجه التحقيق في قضايا الأخطاء الطبية، إضافة إلى واقع جراحات السمنة وأهمية التقيد بالبروتوكولات الطبية العالمية، مستعرضًا رؤيته لتطوير التشريعات المنظمة للمسؤولية الطبية في ضوء التجارب الدولية.
وفيما يلي نص الحوار بالكامل:
بدايةً، كيف تعرف الخطأ الطبي من الناحية القانونية والطبية؟
الخطأ الطبي هو انحراف الطبيب عن الأصول والقواعد العلمية الطبية المتعارف عليها عالميًا، مع أخذ ظروف الزمان والمكان وحالة الشخص محل العلاج في الاعتبار، فمسؤولية الطبيب لا تقاس فقط بالنتيجة النهائية للعلاج، وإنما بمدى التزامه بالقواعد والأصول العلمية المتبعة، وبذله العناية المطلوبة وفقًا لما تفرضه طبيعة المهنة والتخصص.
أتعد الأخطاء الطبية مشكلة أم أنها أصبحت ظاهرة؟
للأسف الشديد، أصبحت الأخطاء الطبية ظاهرة تحتاج إلى وقفة جادة ومعالجة شاملة، خصوصًا مع زيادة الوعي المجتمعي وارتفاع عدد الشكاوى المتعلقة بالأخطاء الطبية.
ولا يعني ذلك أن جميع الأخطاء ناتجة عن إهمال متعمد، فالمجال الطبي بطبيعته مجال معقد، ولكن المطلوب هو وجود منظومة واضحة تحدد المسؤوليات، وتمنع تكرار الأخطاء، وتحاسب المقصر عند ثبوت الخطأ.
ما الإجراءات التي يجب اتخاذها للحد من الأخطاء الطبية؟
الحل يبدأ من وجود تشريعات خاصة وعصرية ومتكاملة تعالج مسألة الأخطاء الطبية ومسؤولية الأطباء بوضوح.
كما أرى أهمية إنشاء جهاز قانوني متخصص يرتبط مباشرة بمجلس الوزراء، على غرار ما هو معمول به في دولة الكويت منذ العام 2020، بحيث تكون هناك جهة متخصصة تتولى التعامل مع هذا النوع من القضايا.
ومن الضروري كذلك تنظيم دورات وندوات متخصصة للأطباء، وتشجيع مشاركتهم في المؤتمرات الطبية العالمية، وتسهيل حصولهم على أحدث المعارف والتطورات العلمية، كما يجب فرض رقابة صارمة على شهادات الأطباء غير البحرينيين، والتأكد من صحتها وخبراتهم وتخصصاتهم، إضافة إلى تنظيم دورات قانونية للأطباء لتعريفهم حقوقهم وواجباتهم، وكذلك حقوق المرضى.
متى يكون الطبيب ملتزمًا بتحقيق النتيجة وليس فقط ببذل العناية؟
القاعدة العامة أن الطبيب ملتزم ببذل العناية وليس بتحقيق النتيجة، لأن الطب بطبيعته لا يضمن دائمًا الوصول إلى نتيجة معينة.
لكن هناك بعض الحالات التي يكون فيها الالتزام أقرب إلى تحقيق النتيجة، خصوصًا في بعض العمليات البسيطة وسهلة التنفيذ، مثل بعض عمليات الفتق واللوز؛ نظرًا لبساطتها وتطور الأجهزة الطبية المستخدمة، وكذلك بعض الفحوصات الطبية وتركيب الأطراف الصناعية وبعض العمليات التجميلية البسيطة.
وهذا الأمر لا يمكن فصله عن الحالة الصحية للمريض، فالأمراض المزمنة والوراثية التي يعانيها المريض قد تؤثر في النتائج المتوقعة.
هل الأخطاء الطبية في تزايد على المستوى العالمي؟
نعم، ولكن من المفترض ألا تكون بهذا الشكل، خصوصًا أن الطب يشهد تطورًا هائلًا في وسائل التشخيص والعلاج، ونحن اليوم نعيش في عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الحديثة، وبالتالي أصبح من الصعب إخفاء أي خطأ طبي، وأصبح المجتمع أكثر اطلاعًا ووعيًا بحقوقه.
تشير بعض الملاحظات إلى أن إصدار التقارير الفنية في قضايا الأخطاء الطبية قد يستغرق فترات طويلة، قد تمتد في بعض الحالات إلى نحو عامين، كيف يمكن، من وجهة نظركم، معالجة هذا التحدي؟
يمكن تلافي هذا التأخير من خلال تسريع الإجراءات، ووضع آلية واضحة تلزم الخبراء الأطباء إصدار التقارير خلال فترة زمنية محددة.
وأرى ضرورة أن تصدر تعليمات جديدة تلزم أطباء الخبرة إعداد التقارير خلال مدة لا تزيد على شهر، لأن سرعة الفصل في هذه القضايا تحقق العدالة للمريض والطبيب على حد سواء، وتمنع تراكم الملفات.
ما تقييمك لدور الخبراء الأطباء في قضايا الأخطاء الطبية؟
أرى أن الأفضل أن يكون الخبراء جميعهم من القطاع الحكومي، وذلك لتجنب أي تعارض في المصالح، وهذا ما هو معمول به في بعض دول الخليج العربي، إذ إن وجود خبير مستقل ومحايد يساهم في تعزيز الثقة بالتقارير الطبية، ويضمن أن يكون الرأي الفني قائمًا على العلم والخبرة فقط.
ما الدول الخليجية التي تعد متقدمة في مجال تنظيم مسؤولية الأطباء؟
تعد دولة الكويت من الدول المتقدمة في هذا المجال، خصوصًا بعد إصدار القانون رقم (70) للسنة 2020، الذي تضمن محاور مهمة عدة لتنظيم مسؤولية الأطباء والتعامل مع الأخطاء الطبية.
بصفتك خبيرًا عالميًا في هذا المجال، كيف تنظر إلى انتشار عمليات السمنة وجراحاتها؟
عمليات السمنة أصبحت من أكثر العمليات انتشارًا في الوقت الحالي، وأصبحت تمثل ظاهرة في العديد من المجتمعات العربية، لكن هذا النوع من العمليات يحتاج إلى تعامل طبي دقيق، ويجب أن يجرى بواسطة فريق طبي متكامل تحت إشراف استشاري متخصص في جراحات السمنة، وبمشاركة أطباء التخدير والسكري والقلب وغيرهم بحسب حالة المريض.
كما أن مسؤولية الطبيب لا تقتصر على إجراء العملية فقط، وإنما تشمل واجب إعلام المريض وتبصيره بشكل كامل بالمخاطر المحتملة، وطبيعة العلاج، والنتائج المتوقعة.
وأي نقص في هذه المعلومات المقدمة للمريض يعد خطأ طبيًا مستقلًا بحد ذاته، وهذا ما أخذت به القوانين المتقدمة، ومنها قانون المسؤولية الطبية الفرنسي المعروف بقانون كوشنر 2002 - 2003.
كنت متحدثًا رئيسًا في قمة البوسفور العالمية في تركيا عن الأخطاء الطبية، ما أبرز الأفكار التي طرحتها؟
أكدت خلال مشاركتي أهمية التأمين الإلزامي على أعمال الأطباء، لأن ذلك يمثل ضمانة مهمة للطبيب والمريض في الوقت نفسه.
كما شددت على ضرورة وجود رقابة صارمة ومستمرة على المنشآت الصحية، وعدم التهاون مع أي مخالفات، إضافة إلى أهمية إنشاء صندوق للتعويض عن الأخطاء الطبية وفق ضوابط قانونية محددة.
كيف تنظرون إلى التعديل الأخير بشأن تعديل بعض أحكام المرسوم بقانون رقم (7) للسنة 1989 بتنظيم مهنة الطب؟
أرى أن التعديل الذي طرأ على المادة (29) يمثل خطوة تشريعية مهمة في تعزيز سلامة الممارسة الطبية وترسيخ مبدأ الالتزام بالتخصص الدقيق، فقد نص التعديل على تشديد العقوبات بحق كل من يمارس مهنة الطب في غير نطاق تخصصه، لتصل العقوبة إلى الحبس مدة خمس سنوات.
ويعكس هذا التوجه إدراك المشرع البحريني لأهمية التخصص الطبي في حماية المرضى، إذ إن ممارسة الطبيب لأعمال تخرج عن نطاق اختصاصه قد تعرض حياة المرضى وسلامتهم لمخاطر جسيمة، وهو ما استوجب إقرار عقوبات رادعة تسهم في تعزيز جودة الرعاية الصحية وترسيخ المسؤولية المهنية.
ما أكثر الأخطاء الطبية شيوعًا على مستوى العالم؟
من أكثر الأخطاء الطبية شيوعًا الأخطاء في التشخيص، ووصف الأدوية بطريقة خاطئة، إضافة إلى الأخطاء المتعلقة بطب الأسنان، وطب النساء والولادة.
كم تبلغ أعداد الوفيات عالميًا بسبب الأخطاء الطبية؟
حسب الإحصاءات العالمية، تبلغ الوفيات الناتجة عن الأخطاء الطبية نحو ثلاثة ملايين حالة وفاة سنويًا، وتعد الأخطاء الطبية من الأسباب المهمة للوفاة عالميًا.
هل الأخطاء الطبية تقتصر على الأطباء فقط؟
لا، فهذا المصطلح لا يقتصر على الأطباء فقط، وإنما يشمل جميع ممارسي المهن الطبية، سواء من الكوادر الصحية أو العاملين في المجالات المرتبطة بالرعاية الصحية.
كما تشمل المسؤولية أيضًا الأخطاء المرفقية الناتجة عن المنشآت الصحية وسوء التنظيم أو الإدارة.
كيف يتم تعويض ضحايا الأخطاء الطبية وذويهم؟
أهم جانب في التعويض هو جبر الضرر، خصوصًا الضرر المعنوي الناتج عن الحزن والأسى والألم بسبب فقدان شخص عزيز، أو الإصابة بعاهة مستديمة، أو فقدان عضو سليم من جسم الإنسان.
والتعويض يجب أن يراعي حجم الضرر الذي تعرض له المريض أو أسرته، وليس فقط الجانب المادي.
هل يمكن للقاضي أن يكون خبيرًا في قضية إهمال طبي؟
القاضي هو الخبير الأعلى في النهاية، وهناك حالات تكون فيها الوقائع واضحة بذاتها، ويقال قانونًا إن “الأشياء تتكلم عن نفسها”.
فعلى سبيل المثال، نسيان قطعة قطن داخل جسم المريض بعد العملية الجراحية يعد واقعة واضحة تدل على وجود إهمال أو تقصير.
هل من المناسب أن تكون الجهة المانحة لترخيص المنشآت الصحية هي نفسها التي تقرر وجود خطأ طبي من عدمه؟
الأفضل هو الأخذ بما هو معمول به في الدول المتقدمة، وهو وجود جهة مستقلة تنظر في موضوع الأخطاء الطبية، ولا تكون لها علاقة بالجهة التي تمنح التراخيص أو تتولى التنظيم.
الاستقلالية هنا ضرورية لتحقيق العدالة وتعزيز الثقة في القرارات الصادرة.
ما الرسالة الأخيرة عن عمليات السمنة وممارسة الطب خارج التخصص؟
وفق البروتوكولات الطبية العالمية، فإن عمليات السمنة تتطلب وجود استشاري متخصص في جراحات السمنة، وأن يكون الإشراف المباشر أثناء العملية من قبله.
وإذا قام طبيب غير مختص بإجراء هذه العمليات، فإن ذلك يعد مخالفة جسيمة، وهو ما أكده تعديل المشرع البحريني أخيرًا في المادة (29) من المرسوم بقانون رقم (7) للسنة 1989 بشأن تنظيم مهنة الطب.
وقد أدرك المشرع البحريني خطورة تدخل الطبيب في مجال خارج تخصصه، لأن ذلك قد يعرض حياة المريض للخطر.
وفي المقابل، إذا استدعت الضرورة تدخل الطبيب لإنقاذ حياة المريض، فإن الامتناع عن القيام بهذا التدخل في الحالات التي يفرضها الواجب الطبي قد يشكل جريمة يعاقب عليها القانون.
