بيسنت يحسم الجدل حول احتياطيات الذهب الأميركية: موجودة لكنها لا تدعم الدولار
أعاد وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، تسليط الضوء على العلاقة المعقدة بين الذهب والدولار، مؤكداً أن احتياطيات الذهب الأميركية لا تزال موجودة بالكامل في "فورت نوكس"، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن امتلاك الذهب وارتباط العملة به أمران مختلفان تماماً منذ تخلي الولايات المتحدة عن معيار الذهب قبل أكثر من نصف قرن.
وأكد بيسنت خلال مقابلة تلفزيونية أن جميع احتياطيات الذهب المخزنة في فورت نوكس "موجودة ومسجلة بالكامل"، في رد على تكهنات رافقت المنشأة الأشهر في الولايات المتحدة لعقود. ويحتفظ مجمع فورت نوكس في ولاية كنتاكي بنحو 147.3 مليون أونصة من الذهب، ما يمثل قرابة 59% من إجمالي الاحتياطي الأميركي، فيما تخزن الكميات المتبقية في مستودعات ويست بوينت ودار سك العملة في دنفر وبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.
وأثار التصريح اهتماماً واسعاً بسبب المكانة الرمزية لفورت نوكس، الذي ظل بعيداً عن أعين الجمهور منذ تأسيسه عام 1936، مع اقتصار الوصول إليه على عمليات التدقيق واختبارات نقاء محدودة، ما غذى على مدى سنوات تساؤلات بشأن وجود الذهب فعلياً داخل خزائنه.
من الذهب والفضة إلى "عملة الثقة"
وأوضح بيسنت أن الدولار الأميركي لم يكن دائماً بالشكل الذي نعرفه اليوم، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة اعتمدت سابقاً شهادات مدعومة بالفضة وأحياناً بالذهب قبل الانتقال إلى نظام العملة الورقية أو ما يعرف بـ"العملة الإلزامية" (Fiat Currency) خلال سبعينيات القرن الماضي.
وأشار إلى أن هذا التحول جعل الدولار يستند إلى الثقة والقدرة الائتمانية للحكومة الأميركية بدلاً من ارتباطه بكمية محددة من الذهب أو الفضة المحتفظ بها في الخزائن.
ولفت كذلك إلى استمرار تدفق الذهب إلى الولايات المتحدة من فنزويلا، مؤكداً أن واشنطن لا تزال تستقبل كميات من المعدن النفيس، فيما قدر القيمة السوقية الحالية للاحتياطات الأميركية بأكثر من تريليون دولار، ما يجعلها الأكبر عالمياً.
قرار نيكسون الذي غير النظام المالي العالمي
وجاءت تصريحات بيسنت لتعيد إلى الواجهة القرار التاريخي الذي اتخذه الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون في أغسطس 1971 عندما أغلق ما عرف بـ"نافذة الذهب"، منهياً عملياً نظام بريتون وودز الذي أتاح للحكومات الأجنبية استبدال الدولار بالذهب بسعر ثابت بلغ 35 دولاراً للأونصة.
ودفع التوسع الكبير في طباعة الدولار آنذاك الولايات المتحدة إلى التخلي عن هذا الالتزام بعد تراجع قدرتها على تغطية العملة المتداولة باحتياطيات الذهب. ومنذ ذلك الحين أصبح الدولار عملة ورقية قائمة على الثقة في الحكومة الأميركية بدلاً من دعم مباشر بالمعدن الأصفر.
وأظهرت بيانات الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس أن القوة الشرائية لـ100 دولار في عام 2026 تعادل تقريباً ما كانت تشتريه 12.25 دولار فقط في عام 1971، في دلالة على تأثير التضخم عبر العقود. وبحسب مراقبين، فإن الذهب بقي على حاله تقريباً بينما تراجعت القوة الشرائية للدولار بصورة تدريجية.
لماذا تشتري البنوك المركزية الذهب بوتيرة قياسية؟
وسلطت تصريحات بيسنت الضوء على أحد أبرز التحولات الجارية في الأسواق العالمية، إذ واصلت البنوك المركزية حول العالم زيادة مشترياتها من الذهب بوتيرة غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة.
وأفاد مجلس الذهب العالمي بأن متوسط مشتريات البنوك المركزية بلغ نحو ألف طن سنوياً خلال الأعوام الأربعة الماضية، أي ما يقارب ضعف متوسط العقد السابق البالغ نحو 500 طن سنوياً.
وعكست هذه الموجة المتسارعة رغبة العديد من الدول في تعزيز احتياطياتها بأصول لا يمكن طباعتها أو تجميدها رقمياً، خصوصاً بعد تجميد الاحتياطيات الدولارية الروسية عام 2022، وهو ما دفع عدداً من الحكومات إلى إعادة تقييم اعتمادها على الدولار والأصول الأميركية.
وبرزت الصين والهند وتركيا وبولندا بين أكثر المشترين نشاطاً، في رهان متزايد على أن الذهب يوفر قدراً أكبر من الاستقلال المالي مقارنة بحيازة سندات الخزانة الأميركية.
ارتفاعات قياسية وتوقعات أكثر جرأة
وسجل الذهب مكاسب تقارب 120% خلال السنوات الخمس الماضية، ليتداول قرب 4010 دولارات للأونصة في 18 يوليو، بعدما بلغ مستوى قياسياً عند 5589 دولاراً في يناير 2026.
وأعادت هذه القفزة جذب كبار المستثمرين ومديري الأصول إلى المعدن النفيس. فقد أكد مؤسس "بريدج ووتر" راي داليو أن معظم المستثمرين لا يحتفظون بالنسبة الكافية من الذهب داخل محافظهم الاستثمارية، معتبراً أنه يمثل أداة فعالة للتنويع خلال فترات الاضطرابات الاقتصادية والنقدية.
واقترح داليو تخصيص ما بين 5% و15% من المحافظ الاستثمارية للذهب أو ما يصفه بـ"الأموال البديلة"، ليس بهدف تحقيق أعلى عائد ممكن، بل لحماية الثروة في أوقات عدم الاستقرار.
وفي المقابل، رفع بنك جي بي مورغان سقف توقعاته لسعر الذهب إلى 6300 دولار للأونصة بنهاية 2026، بينما ذهب الرئيس التنفيذي للمصرف جيمي ديمون إلى أبعد من ذلك عندما قال إن المعدن الأصفر قد يصل "بسهولة" إلى مستوى 10 آلاف دولار للأونصة في البيئة الحالية.
الجدل مستمر
وأبرزت تصريحات بيسنت حقيقة غالباً ما تغيب عن النقاشات الدائرة حول الذهب والدولار، وهي أن امتلاك أكبر احتياطي ذهب في العالم لا يعني بالضرورة أن العملة الوطنية مدعومة به.
واختارت الولايات المتحدة منذ عام 1971 فصل الدولار عن الذهب، لكنها احتفظت في الوقت ذاته بأكبر مخزون عالمي من المعدن النفيس. وبينما يرى البعض أن الذهب لم يعد سوى أداة لتنويع المحافظ الاستثمارية، يعتبره آخرون ملاذاً أساسياً في مواجهة الضغوط التي تتعرض لها العملات الورقية.
وفي ظل تنامي مشتريات البنوك المركزية وعودة الذهب إلى واجهة النقاش المالي العالمي، يبدو أن السؤال القديم حول قيمة الذهب ودوره في النظام النقدي الدولي لا يزال مطروحاً بقوة، حتى بعد أكثر من خمسة عقود على نهاية معيار الذهب.
