بين الذاكرة والمكان
جولة داخل “مساحات عالقة” تكشف وجوهًا مختلفة للفن البحريني المعاصر
بمجرد الدخول إلى مساحة الرواق للفنون، لا يبدو معرض “مساحات عالقة” كمعرض تقليدي تُعلّق فيه الأعمال على الجدران، بل كرحلة تتدرج من التأمل إلى التساؤل، ومن الذكريات الشخصية إلى القضايا الإنسانية المشتركة. فكل زاوية تحمل قصة، وكل عمل يفتح نافذة على تجربة مختلفة، فيما يتحول الزائر تدريجيًا من متفرج إلى شريك في قراءة المعاني واكتشافها.
المعرض، الذي افتتح في التاسع من يونيو وتم تمديد استقباله للجمهور حتى 13 أغسطس، يجمع حصيلة أعمال سبعة فنانين بحرينيين شاركوا في برنامج الإقامة الفنية “تطبيق 006”، أحد أبرز البرامج التي رسختها “الرواق” لدعم التجارب الفنية المعاصرة، ومنح الفنانين مساحة للبحث والتجريب قبل تقديم أعمالهم للجمهور بدعم من الشيخة ضوى بنت خالد آل خليفة. وخلال الجولة، يلفت الانتباه التنوع الكبير في الأساليب والوسائط الفنية، إلا أن جميع الأعمال تلتقي عند سؤال واحد: ماذا يبقى في داخلنا بعد أن تنتهي التجارب؟
في أحد الأركان، تستحضر الفنانة سارة رضا مفهوم الانتماء عبر عملها “كالت-ير”، مقدمة قراءة نقدية للعائلة بوصفها حاملة للثقافة والذاكرة، بينما تعود سمر الإسكافي بالمشاهد إلى تاريخ بلاد القديم، مستلهمة ينابيعها وحكاياتها وما بقي منها في الذاكرة الجماعية، في عمل يحمل عنوان “مشاهد لا تُرى”.
ويأخذ يوسف قمبر الزائر إلى قضية مختلفة، حيث يضعه أمام مفارقة وفرة الطعام مقابل الهدر اليومي، في عمل “مأدبة الفناء” الذي يطرح أسئلة مباشرة حول الاستهلاك والأمن الغذائي والمسؤولية المجتمعية.
أما الفنان محمود الشرقاوي (هيوفل)، فيقدم تجربة بصرية تجريدية بعنوان “ترقّب، توتر، واتزان”، تتناول الضغوط الذهنية التي ترافق المسؤوليات المهنية، فيما تترجم مرام السليمان مشاعر الفقد في عمل “إليك”، الذي يحمل إهداءً مؤثرًا إلى والدها الراحل، لتتحول الذكريات إلى حضور دائم داخل تفاصيل الحياة.
وفي عمل “ما الذي ينمو فوق الأرض؟”، تطرح مريم النعيمي تساؤلات حول العلاقة المتغيرة بين الإنسان والطبيعة في ظل التوسع العمراني، بينما تختتم غالية عبدالجواد الرحلة بسلسلة “حياة: سلسلة من اللحظات”، حيث تنعكس صورة الزائر على الأسطح المعدنية للعمل، ليصبح جزءًا من التجربة الفنية، وكأن العمل يذكّره بأن الذاكرة لا تعكس الماضي فحسب، بل تعيد تشكيل الحاضر أيضًا.
ولا يكتفي “مساحات عالقة” بعرض أعمال فنية متنوعة، بل يقدم نموذجًا لما يمكن أن تصنعه برامج الإقامة الفنية عندما تمنح الفنان الوقت والمساحة لتطوير أفكاره بحرية. وهو ما جعل برنامج “تطبيق” في الرواق، على مدى الأعوام الماضية، محطة مهمة في المشهد التشكيلي البحريني، أسهمت في بروز تجارب شبابية اتجهت نحو الفن المفاهيمي والممارسات المعاصرة.
ومع تمديد المعرض حتى 13 أغسطس، تبقى الفرصة متاحة أمام الجمهور لخوض تجربة مختلفة، لا تعتمد على الإجابات الجاهزة، بل تدعو كل زائر إلى أن يقرأ الأعمال بطريقته الخاصة، ويخرج منها بأسئلته وتأملاته، وربما ببعض الذكريات الجديدة التي ستظل هي الأخرى، “مساحات عالقة”.
