مع دخول ذروة الصيف، تشهد العديد من المناطق في العالم موجات حر ورطوبة مرتفعة، تجعل درجات الحرارة المحسوسة تصل إلى 50 درجة مئوية وقد تتجاوزها. وتشير الدراسات إلى أنه عندما تتجاوز الحرارة 32 درجة، تزداد مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بشكل كبير. وتظهر البيانات السريرية أن أعداد مراجعات الطوارئ بسبب هذه الأمراض تزداد بنسبة تتراوح بين 15 – 20 %، خلال أشهر يونيو ويوليو وأغسطس مقارنة بفصل الشتاء. بالنسبة للعديد من مرضى ارتفاع ضغط الدم في جميع أنحاء العالم، فإن أيام الصيف الحارة هذه ليست مجرد شعور بعدم الراحة، بل هي اختبار حقيقي لضغط الدم والقلب على حد سواء.
لفهم سبب تأثير الطقس الحار سلبًا على القلب، يجب أن نفهم آلية التبريد الطبيعية في الجسم. عندما ترتفع حرارة الجسم، يحاول التخلص منها لخفض حرارته الداخلية، ويفعل ذلك في المقام الأول من خلال طريقتين: توسيع الأوعية الدموية والتعرق. تتوسع الأوعية الدموية لتوجيه المزيد من الدم نحو الجلد، ما يسمح للحرارة بالخروج من الجسم، كما يزداد معدل ضربات القلب انعكاسياً لضخ هذا الدم إلى سطح الجلد، حيث يتوجب على القلب أن ينبض بشكل أسرع ويعمل بجهد أكبر. بالنسبة للشخص السليم، فإن هذا المجهود الإضافي يكون مقدورًا عليه، أما بالنسبة للمصاب بارتفاع ضغط الدم، فإن القلب يعمل بالفعل فوق طاقته ضد شرايين ضيقة ومتصلبة. لذا، فإن إجبار قلب مجهد بالفعل على مضاعفة عمله يمكن أن يؤدي إلى حدوث ذبحة صدرية (ألم في الصدر)، أو اضطراب في ضربات القلب، أو حتى نوبة قلبية.
الرطوبة العالية وضغط الدم ربما يشكلان ثنائيًا قاتلًا. في حين أن درجات الحرارة المرتفعة خطيرة بمفردها، فإن الرطوبة العالية تعمل كمضاعف لخطورة هذا الإجهاد على القلب. عندما يكون الهواء جافاً، يتبخر العرق بسرعة عن الجلد، ما يبرد الجسم بفعالية. ولكن عندما ترتفع نسبة الرطوبة فوق 70 % يكون الهواء مشبعاً بالفعل بالرطوبة، فلا يتبخر العرق، ويصبح الجسم عاجزًا عن التخلص من الحرارة بكفاءة. ونظرًا لأن الجسم لا يبرد، فإنه يستمر في طلب المزيد من تدفق الدم نحو الجلد. ويستمر القلب في النبض بشكل أسرع وأقوى، ما يوقع المريض في حلقة مفرغة وخطيرة من الإجهاد المتصاعد على القلب والأوعية الدموية.
علاوة على ذلك، يمكن أن يؤدي التعرق المستمر لفترات طويلة إلى جفاف شديد. ويقلل الجفاف من الحجم الإجمالي للدم في الجسم، ما قد يتسبب في انخفاض مفاجئ في ضغط الدم. ورغم أن انخفاض ضغط الدم قد يبدو أمرًا مثاليًّا لشخص يعاني من الارتفاع، إلا أن الهبوط المفاجئ قد يؤدي إلى الدوار، والإغماء، ونقص خطير في تدفق الدم المحمل بالأكسجين إلى أعضاء الجسم.
الأشخاص الأكثر عرضة للخطر هم من فوق الخمسين سنة من العمر، ومن يعانون من السمنة ومرضى ارتفاع ضغط الدم غير المتحكم فيه وأصحاب أمراض القلب أو الرئة أو الكلى. كما أن متناولي مدرات البول أو المهدئات أو أدوية ارتفاع ضغط الدم هم في خطر؛ حيث إنه قد يتعارض مفعول هذه الأدوية مع قدرة الجسم على تنظيم درجة الحرارة أو توازن السوائل، ما يزيد من حساسية الحر. وكذلك من يتبعون حميات قليلة الملح يواجهون خطر الجفاف بشكل أكبر في هذه الأجواء. كما تكون النساء الحوامل المصابات بارتفاع ضغط الدم، والأشخاص الذين يعيشون بدون تكييف هواء جيد أكثر عرضة للخطر.
يؤكد الخبراء الصحيون أهمية الوقاية من خلال عادات بسيطة ومنتظمة، وفيما يلي خطوات عملية لحماية القلب أثناء الصيف:
• الحفاظ على الترطيب: اشرب الكثير من الماء قبل الشعور بالعطش وتجنب الإفراط في الكافيين أو الكحول، اللذين يساهمان في إدرار البول وبالتالي الجفاف.
• مراقبة ضغط الدم: قم بقياس القراءات بشكل أكثر تكرارًا أثناء موجات الحر وأبلغ طبيبك بأية تغييرات كبيرة.
• تجنب الحر: قلل النشاط الخارجي خلال ساعات الذروة (منتصف النهار)، وابحث عن أماكن مكيفة، وارتدِ ملابس خفيفة وفاتحة اللون، واستخدم المراوح أو الاستحمام بالماء البارد.
• الاستخدام الأمثل للمكيف: يُفضل ضبط درجة حرارة الغرفة على حوالي 26 درجة مئوية، مع تجنب الفارق الكبير بين الداخل والخارج. وعند الانتقال من الحر الشديد إلى غرفة مكيفة، يُنصح بالجلوس في مكان ظليل لمدة 10 دقائق للتأقلم.
• الالتزام بالأدوية: لا تتوقف أبدًا عن تناول الأدوية الموصوفة إلا بعد استشارة الطبيب، وقم بمناقشة أية تعديلات في الأدوية إذا لزم الأمر.
• النظام الغذائي والنمط الحياتي: قلل من تناول الملح، وتناول الفواكه والخضروات الطازجة، وحافظ على وزن صحي لتخفيف الضغط على القلب والأوعية الدموية.
• الانتباه إلى إشارات الجسم التحذيرية: في حال ظهور أي من الأعراض التالية: التشوش الذهني، الدوخة، فقدان الاتجاه، تسارع النبض المفرط، التعرق البارد، التعرق المفرط أو انعدام التعرق، الإرهاق، الصداع، تشنج العضلات، الغثيان، أو تورم الأطراف؛ يجب الابتعاد فورًا عن الحر في هذه الحالات وطلب المساعدة الطبية العاجلة.
بالنسبة لمرضى ارتفاع ضغط الدم، الصيف هو موسم يسترعي الحذر، فكل تقلب عنيف في ضغط الدم هو إنذار يطلقه الجسم، وفي هذا الصيف الحار الرطب، استقرار ضغط الدم هو حماية للحياة.
أكاديمي وعضو مؤسس بجمعية الصيادلة البحرينية