لطالما كانت مملكة البحرين، عبر تاريخها الطويل، نقطة التقاء حضارية فريدة، ومركزًا مشعًّا للتنوير في منطقة الخليج العربي. ولم يكن هذا التميز وليد الصدفة، بل جاء نتاجًا لحراك فكري وثقافي مبكر امتاز بالانفتاح، والعمق، والتعددية. فبينما كانت المنطقة تتحسس خطى النهضة الحديثة، كانت البحرين تؤسس المدارس والمنتديات، وتنجب قامات فكرية وأدبية وفنية صاغت بوعيها وجدان الأمة، وتركت بصمة لا تمحى في سجل الثقافة العربية الإنسانية.
إن السجل الثقافي البحريني يزخر بأسماء قامات موجودة أو رحلت عن دنيانا، ونتاجها مازال حيًّا يتنفس في ذاكرة الوطن. نستذكر هنا مفكرين وفلاسفة كبار تركوا إرثًا نقديًّا وفلسفيًّا عميقًا غـيّر مجرى القراءة الفكرية في المنطقة، وشعراء وأدباء صاغوا بكلماتهم تطلعات الإنسان وهويته، مثل الدكتور محمد جابر الأنصاري، والدكتور علي فخرو، والشاعر إبراهيم العريض، والشاعر علي عبدالله خليفة، والقاص والروائي والناقد عبدالله خليفة، والناقد الدكتور إبراهيم غلوم، والمؤرخ مبارك الخاطر، والدكتور علوي الهاشمي، وغيرهم الكثير في تاريخ وحاضر البحرين. هذا بالإضافة إلى فنانين ومبدعين شكلوا بوجدانهم الفني ملامح الأغنية واللوحة والمسرح البحريني، بالإضافة إلى الذاكرة الشعبية من فنون وأمثال وأيام وقصص ورجالات ونساء شكلوا الذاكرة الشعبية، يشملها التأريخ والتوثيق والبحث. أمثال هؤلاء المبدعين لم تكن أعمالهم مجرد نتاج فردي، بل كانت مرآة لنهضة مجتمعية كاملة، وتوثيقا حيا للتحولات الفكرية والاجتماعية التي مرت بها البحرين والمنطقة.
ومع مرور الزمن، يصبح الخوف مشروعًا من غياب هذا الإرث أو اندثاره بين رفوف النسيان، ومن هنا تـنبع الحاجة الملحة والضرورية لتأسيس “هيئة الفكر البحريني”؛ لتكون مؤسسة وطنية جامعة تُعنى بحفظ تراث هؤلاء الرواد واستدامته.
ويمكن تلخيص الدور المحوري والعملي لهذه الهيئة في إعادة الإحياء والنشر، حيث تتولى الهيئة مسؤولية جمع، وترميم، وتوثيق كافة الأعمال الفكرية والأدبية والفنية للرواد، وإعادة طبعها ونشرها وتوزيعها بنسخ حديثة (ورقية ورقمية) لتكون في متناول الأجيال الجديدة والباحثين داخل البحرين وخارجها، مع حفظ حقوقها دون إغفال حق الورثة في ذلك والتعاون معهم في حفظ تراث المفكر. إلى جانب الحوار الفكري المستدام، من خلال تنظيم المؤتمرات والندوات والمنتديات الثقافية الدورية التي تناقش أطروحات هؤلاء المفكرين وتأثيرها في الحاضر، ما يضمن بقاء الفكر البحريني حيًّا ومتفاعلًا مع القضايا المعاصرة. مع تحفيز الإبداع المعاصر عن طريق إطلاق مسابقات وجوائز سنوية رفيعة المستوى تحمل أسماء هؤلاء الرواد، تُمنح لأفضل الأبحاث الدراسية، أو الأعمال الأدبية والفنية التي تستلهم التراث البحريني وتطور عليه، ما يخلق جسرًا يربط الماضي بالمستقبل.
إن مشروعًا وطنيًّا وحضاريًّا بهذا الحجم لا يمكن أن يكتب له النجاح والاستدامة دون تضافر جهود حقيقية قائمة على الشراكة المجتمعية.
إذ تأتي رعاية الدولة كحاضنة تشريعية وسيادية، فتمثل الرعاية الرسمية من لدُن الدولة العمود الفقري لهذه الهيئة، من خلال توفير الغطاء القانوني والتشريعي، وتخصيص الميزانيات الداعمة، وإدراج هذا الإرث ضمن المناهج التعليمية والخطط الاستراتيجية الثقافية للمملكة، بما يعزز قيم المواطنة والاعـتزاز بالهوية الفكرية.
ثم يأتي هنا دور قطاع الأعمال البحريني كشريك أصيل في التنمية الثقافية، فـدعم رجال الأعمال والمؤسسات المصرفية والتجارية لهذا المشروع – من خلال برامج المسؤولية الاجتماعية – يمثل استثمارًا في “رأس المال الرمزي” للمملكة. فالثقافة هي القوة الناعمة التي تصنع تميز الأوطان، والاستثمار في حفظها هو حماية للبيئة الحاضنة للإبداع والابتكار.
إن إنشاء “هيئة الفكر البحريني” ليس مجرد خطوة لتكريم الراحلين، بل هو خطوة استراتيجية لتأمين مستقبل الأجيال القادمة، فبالمعرفة والفكر تحصن المجتمعات هويتها، ومن خلال إحياء تراث روادنا نمنح الشباب البحريني بوصلة فكرية ملهمة تؤكد لهم دائمًا أنهم ينتمون إلى وطن بنيت ركائزه على الوعي، والأدب، والفن الرفيع.
كاتب بحريني