في الوقت الذي تنشغل فيه مراكز الأبحاث في الدول المتقدمة بهندسة الجينات، واستعمار الفضاء، وتطوير خوارزميات الذكاء الاصطناعي الفائق، يعيش العقل الجمعي العربي والإسلامي حالة فريدة من “الارتداد الزمني”. لسنا أمام مجرد اهتمام عابر بالتوثيق أو الأرشفة، بل نحن أمام ظاهرة حادة يمكن تسميتها بـ “محاكمات التاريخ”.
فقد انتشرت قنوات إعلامية عديدة في الآونة الأخيرة خصوصًا على وسائل التواصل الاجتماعي، همها تحويل الماضي من وعاء للعبرة إلى ساحة معارك يومية، وتقاضي شخوصا رحلوا قبل قرون، وتعيد إنتاج صراعاتهم السياسية والقبلية والعرقية كأنها قضايا مصيرية تتوقف عليها لقمة عيشنا اليوم. هذا الانكفاء يطرح سؤالا جوهريا: هل الانشغال بالتاريخ ومحاكمته هو طريق الخلاص، أم أنه الأكذوبة الكبرى التي تبرر عجزنا عن صناعة المستقبل؟
إن الوعي البشري بطبيعته يميل إلى البحث عن التوازن، وعندما يعيش مجتمع ما أزمة حضارية خانقة في حاضره، وتعجز نُخَبُهُ عن تقديم حلول واقعية للمستقبل، يحدث لا شعوريا نوع من الارتداد النفسي نحو “العصر الذهبي”.
هنا تظهر الأكذوبة.. إيهام الذات بأن تفكيك العُقَد التاريخية وإعادة تقييم بعض المعارك، أو طبيعة حكم ما من قبل أسر معينة أو أعراق معينة، هو المفتاح السحري لإصلاح الوعي الحاضر، يتحول التاريخ في هذه الحالة من حدث بشري سياسي خاضع للخطأ والصواب والظروف الزمنية، إلى عقيدة جامدة وهوية وجودية. يصبح نقد خطة سياسية لقائد قديم، أو تحليل حركة سياسية من منظور الواقعية السياسية الباردة، بمثابة هدم للمقدس وتوسيع للشروخ الطائفية، بدلا من أن يكون تمرينا عقليا لتجاوز الماضي.
إن الغرب والشرق الأقصى لم يولدوا بلا تاريخ، بل إن تاريخهم كان أكثر دموية وصراعًا (الحروب الدينية في أوروبا، محاكم التفتيش، صراعات الملوك)، لكن الفارق الجوهري يكمن في طريقة “هضم” هذا التاريخ.
فقد قامت الدول المتقدمة بمحاكمة تاريخها وتفكيك إرث الكنيسة والأنظمة الإقطاعية خلال عصر التنوير، ثم أغلقوا القضية وضبطوا عقارب ساعتهم على الحاضر والمستقبل، وتحول التاريخ لديهم إلى مادة للمتاحف والأبحاث الأكاديمية الصرفة، وليس وقودًا للسياسة اليومية أو الفتاوى الفقهية، أي معاملة التاريخ كقاعدة لا كسجن.
من جانب آخر، في الدول المتقدمة لا يُترك المستقبل للمصادفة أو التوقعات العاطفية، إذ إن لديهم معاهد متخصصة في “الدراسات المستقبلية” تعتمد على نماذج رياضية وتحليلات بنيوية للتنبؤ بالأزمات السياسية والاقتصادية، والتغيرات المناخية، والتحولات الديموغرافية قبل حدوثها بعقود.
صناعة القرار هناك تبدأ من نقطة “أين نريد أن نكون بعد خمسين عامًا؟”، بينما يبدأ القرار لدينا من نقطة “ماذا فعل السلف في مثل هذه النازلة؟”، وهذا السؤال ليس للعبرة والتعلم بل للجدال والمحاكمة.
إن غرق المجتمعات في “محاكمات التاريخ” ينتج ظاهرة مدمرة وهي “المظلومية التاريخية المستدامة”، فعندما تتربى أجيال كاملة على عاطفة مُهَيْكَلة تغذي شعورا بالانكسار أو الحق المغتصب منذ قرون، يتحول هذا الشعور إلى عائق نفسي يحول دون الاندماج في العصر الحديث.
يصبح الشاب مشحونًا بمعارك ليست معاركه، ومطالبا بالثأر لهزائم لم يشهدها، فيستنزف طاقته الفكرية والعاطفية في الفضاء الرقمي دفاعًا عن رموز تاريخية أو هجومًا عليها.
المستفيد الأكبر من هذه الأكذوبة هي التيارات الآيديولوجية والسياسية التي تجد طريقة سهلة لحشد الجماهير وتبرير شرعيتها، والتغطية على إخفاقاتها التنموية والخدمية في الحاضر.
فالحديث عن استشراف المستقبل يتطلب أرقامًا وخططًا، ومشاريع حقيقية ملموسة، بينما التجييش التاريخي يتطلب فقط دغدغة العواطف وإثارة النعرات العشائرية والطائفية.
إن القول بأن محاكمة التاريخ ومحوريتها في عقولنا هي مهمة مستحيلة هو استسلام للواقع.
الاختراق ممكن، ولكنه يتطلب شجاعة معرفية تبدأ من أنسنة التاريخ والنزع التدريجي للقداسة، إذ يجب أن يتوقف الوعي الجمعي عن خلط “النص الديني المقدس” بـ “الفعل البشري التاريخي”.
القادة في التاريخ الإسلامي كانوا بشرا تحركهم العصبية، والقبلية، والمصالح السياسية والاقتصادية، لذا فإن إظهار الجوانب البشرية في قراراتهم يحرر العقل الحاضر من سلطتهم المعرفية.
ثم نصل إلى التحليل البنيوي بدلا من الإدانة العاطفية، فعند قراءة أحداث القرون السابقة، يجب ألا تطرح لجيل الشباب بلغة “مطلق الخير ضد مطلق الشر”، بل بلغة موازين القوى وإدارة الأزمات.
إن إعادة قراءة التاريخ بجرأة وعلمية هي عملية “تنظيف للجرح”؛ هي خطوة مؤلمة، لكنها شرط أساسي للبُرء. الأكذوبة ليست في قراءة التاريخ للعِبرة، بل في جعل التاريخ عقيدة بديلة نتحاكم إليها ونعيش في جلبابها.
لن يلتفت العالم إلينا ونحن نعيد محاكمة أشخاص غيبهم الموت منذ قرون، ولن ينتظرنا قطار المستقبل حتى ننهي خلافاتنا.
إن العبور إلى الغد يتطلب شجاعة واحدة، وهي أن نضع التاريخ وراء ظهورنا كقاعدة صلبة نتعلم منها، ونوجه أبصارنا وعقولنا إلى الأمام، حيث تُصنع الحضارة الحقيقية.
*كاتب بحريني