العدد 6478
الجمعة 10 يوليو 2026
ملحمة ظفار الإنسانية... حين يرتدي التكافل القبلي ثوب الجسد الواحد
الجمعة 10 يوليو 2026

في زمنٍ تُقاس فيه العلاقات بالمصالح المادية، تجلت من أرض سلطنة عمان، وتحديدًا من ربوع محافظة ظفار الأبية، صورة مشرقة تعيد صياغة مفهوم الأخوة الإنسانية والإسلامية، وترسم لوحة خالدة للتكافل القبلي الذي يتجاوز الحدود الضيقة ليكون قدوةً للأمة جمعاء. إنها حملة “ظفار تلبي النداء” لإنقاذ الطفلين أحمد العجمي وسالم الشيدي من مرض “دوشين” النادر، والتي تحولت من مجرد حملة تبرعات علاجية إلى ملحمة عطاء تاريخية تُدرّس للأجيال.

الهبّة القبلية... أصالة المعدن وعمق العطاء
لقد أثبتت القبائل العمانية في هذا الحدث الاستثنائي أن النخوة والشهامة ليستا إرثًا من الماضي، بل واقع حي يُعاش في تفاصيل الأزمات. وتجلت هذه الروح بأبهى صورها في التحرك القوي والمشرف لقبيلة الحكلي وكل قبائل ظفار والسلطنة، التي تسابقت لنجدة الطفلين وكأن المصاب مصابها جميعًا.
ولم يكن العطاء حكرًا على الرجال؛ بل سطرت نساء الحكلي نموذجًا باهرًا في البذل والتضحية، بعد أن تبرعن بـ 259 ألف ريال عماني من حليّهن ومدخراتهن، تأكيدًا على أن المرأة العمانية هي شريكة البناء والخير، وصاحبة الأيادي البيضاء التي تصنع الفارق دائمًا.

“مثل الجسد الواحد”... تجسيد النبوة في أبهى صورها
هذا التلاحم المجتمعي العظيم ليس مجرد فزعة عابرة، بل هو امتثال حي للواجب الشرعي، وتطبيق عملي لقول الرسول الكريم ﷺ: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”.
لقد تداعى الجسد العماني كله ساهرًا ومؤازرًا من أجل أن يشفى طفلاه. وحين شارف ملف الطفل أحمد العجمي على الانتهاء، جاء الموقف المشرف للشيخ سالم بن مستهل المعشني، الذي تكفل بباقي المبلغ المطلوب لعلاج الطفل سالم الشيدي ومقداره 405 آلاف ريال عماني، ليغلق ملف المعاناة ويبعث الأمل مجددًا. إلى جانب تسابق شيوخ القبائل الأخرى لتقديم مبالغ كبيرة جدًّا، ولا نقلل من تبرعات الآخرين وإن قلت - فربما سبق درهم ألف درهم - ليؤكدوا جميعًا أن المسؤولية والمكانة والتأثير أدوات سخرها الله لنصرة المستضعفين وإعانة الملهوفين.

قدوة للأمة ومدرسة في التكافل
إن ما حدث في ظفار يجب أن يكون قدوةً ونبراسًا يُحتذى به في كل مجتمع إسلامي. لقد أثبتت هذه الحملة أن التكافل القبلي حين يوجه نحو الخير وصالح المجتمع، يصبح قوة دافعة تحقق المعجزات وتذلل العقبات مهما عظمت تكاليفها (والتي بلغت مليون ومئة ألف ريال لكل طفل). هذا العطاء يحتم على كل مسلم القيام بنصرة أخيه، كل بحسب موقعه وقوته وإمكانيته، تأكيدًا على مبدأ “المسلم أخو المسلم”.


تحية إجلال من القلب
وفي ختام هذه السطور، نحمد الله سبحانه وتعالى على نعمته وفضله، وتكبيرًا لأهلنا في سلطنة عمان وأرض الأمان، ونخص بالذكر والتحية رجال ونساء ظفار الأوفياء، الذين برهنوا للعالم أجمع أن أصالة العربي والمسلم تلمع كالألماس في أوقات الشدائد. شكرًا لكم يا أهل عمان، فقد داويتم بفضل الله أطفالاً، وأحييتم في قلوب الأمة أملاً لا يموت.

*مدير أول سابق بغرفة تجارة وصناعة البحرين

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية