العدد 6478
الجمعة 10 يوليو 2026
وسائل التواصل الاجتماعي.. مسؤولية الآباء القانونية في مواجهة الانفلات الأخلاقي للأبناء
الجمعة 10 يوليو 2026

تعدّى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي اليوم مجرد التبادل المعرفي، وأصبح فضاءً مفتوحًا للتعبير والنقد وصناعة المحتوى، وهو ما قد يعرّض مستخدميه للمساءلة القانونية عند تجاوز الحدود التي رسمها القانون. وفي المقابل، أفرز هذا الانفتاح غير المسبوق مظاهر وسلوكيات مقلقة، تتمثل في التفلت الأخلاقي، والإساءة إلى الآخرين، وانتهاك الخصوصية، ونشر الشائعات، والتنمر الإلكتروني، وإثارة الكراهية، والسعي وراء الشهرة على حساب القيم والكرامة الإنسانية، فضلًا عن تراجع معايير الحوار والنقد البنّاء.
وتتجلى الخطورة في أن هذه المنصات أصبحت في متناول القاصرين، وهم في كثير من الأحيان لا يدركون الآثار القانونية المترتبة على ما ينشرونه أو يشاركونه. ومن ثم، قد تمتد المسؤولية في بعض الحالات إلى من يتولى رعايتهم أو ولايتهم، متى توافرت الشروط التي يقررها القانون. فالكلمة التي كانت تنتهي بمجرد نطقها أصبحت اليوم محفوظة، وسريعة الانتشار، وقد تصل إلى ملايين الأشخاص، تاركة آثارًا يصعب محوها أو الحد من تبعاتها، فضلًا عن أن بعض الممارسات الرقمية باتت تمثل تهديدًا حقيقيًّا للنظام الاجتماعي والأمن العام.
ورغم اعتقاد البعض أن الفضاء الإلكتروني مساحة بعيدة عن الرقابة أو المحاسبة، فإن الواقع القانوني يؤكد خلاف ذلك، حيث إن العقوبة لتلك السلوكيات عند ممارستها عبر هذه المنصات الرقمية قد تتضاعف جسامة المسؤولية فيما لو أدت إلى انتشار واسع أو ترتب عليها ضرر بالغ. أما بالنسبة للقاصر، فإن مساءلته تخضع للأحكام الخاصة التي ينظمها القانون، مع إمكانية ترتيب مسؤولية من يتولى رعايته في الحالات التي يحددها المشرع.
وقد ضمن قانون العقوبات والتشريعات الخاصة ذات الصلة كالقانون رقم 60 لسنة 2014 بشان تقنية المعلومات العديد من الأفعال التي تشكل جرائم إلكترونية، ومنها القذف، والسب، والإساءة إلى السمعة، وانتهاك الخصوصية، ونشر الصور أو التسجيلات دون إذن، والتحريض على الكراهية أو العنف، والتشهير، أو تلك المتعلقة بإرسال بيانات تتضمن تهديدات أو إتلاف أو اختراق إلكتروني كتعطيل أو حجب بيانات، أو اقتناء أو إنشاء مواد إباحية وغيرها. وهذه الأفعال قد ترتب مسؤولية جنائية، إلى جانب حق المتضرر في المطالبة بالتعويض عن الأضرار المادية والأدبية التي لحقت به.
ولا يهدف القانون، من خلال تجريم هذه الأفعال، إلى تقييد حرية الرأي أو الحد من حرية التعبير، إنما إلى حماية الحقوق والحريات وصون كرامة الأفراد والمصلحة العامة. فحرية التعبير ليست مبررًا للإساءة، ولا غطاءً للتشهير، ولا وسيلة للاعتداء على حقوق الآخرين، إذ إن القاعدة القانونية المستقرة تقضي بأن ممارسة أي حق تقف عند الحد الذي تبدأ فيه حقوق الغير.
كما أن عدم وجود تشريع يحدد سنًا معينة لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي لا يعني غياب الحماية القانونية، أو استحالة مساءلة من يثبت تقصيره في واجبات الرعاية أو الرقابة، متى توافرت الشروط القانونية لذلك. ومن هنا تتأكد أهمية الوعي القانوني إلى جانب الوعي الأخلاقي، فالمجتمعات لا تستقيم بالنصوص القانونية وحدها، إنما تقوم كذلك على منظومة القيم والتربية السليمة. فالأخلاق تمنع الخطأ قبل وقوعه، بينما يتدخل القانون لمعالجة آثاره بعد وقوعه.
وعليه، فإن حاجة المجتمع اليوم لا تتمثل في تشديد العقوبات بقدر ما تتمثل في ترسيخ ثقافة المسؤولية الرقمية، وتعزيز التربية على القيم، وتفعيل الرقابة الأسرية الواعية، وغرس قناعة لدى الأبناء بأن كل ما يُكتب أو يُنشر أو يُشارك في الفضاء الإلكتروني قد يترتب عليه أثر قانوني حقيقي. كما أن تمكين القاصرين من استخدام هذه الوسائل ينبغي أن يكون مقرونًا بقدر كافٍ من النضج والوعي والإشراف الأسري، بما يحقق التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا وحماية المجتمع من آثار سوء استخدامها.

*كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .