تعتبر الجنسية من أهم الروابط القانونية التي تربط الفرد بالدولة، إذ تترتب عليها مجموعة من الحقوق والالتزامات المتبادلة.
ومن حيث الأصل، يدخل تنظيم مسائل الجنسية - منحًا أو سحبًا - في صميم سيادة الدولة، باعتبارها صاحبة الاختصاص الأصيل في تحديد من ينتمي إلى شعبها من عدمة وما يتضمنه الانتماء من معاني في طياتها معنى الولاء، وهو ما استقر عليه العمل بالمعنى دولياً.
غير أن هذا الاختصاص، وإن بدا مطلقًا في الإطار التقليدي للقانون الدولي المتعارف عليه، وهو بذلك مقيدًا بجملة من المبادئ والالتزامات الدولية، خاصة بمعية تطور منظومة حقوق الإنسان والتي قد اعتنت بها مملكة البحرين بشكلها الكامل.
وقد كرس الفقه والقضاء الدوليان مبدأ حرية الدولة في تنظيم جنسيتها، وهو ما أكدته محكمة العدل الدولية في قضايا كثيرة، مفاد ما ارسته منها: بأن لكل دولة الحق في تحديد شروط منح جنسيتها، بشرط وجود “رابطة فعلية” بين الفرد والدولة او سحبها للأمور السيادية بتقدير الدولة بالمفهوم الواسع. ويستند هذا المبدأ إلى فكرة السيادة الإقليمية والاستقلال السياسي، بما يمنح الدولة سلطة تقديرية واسعة في هذا المجال على السواء بالمنح او الاسقاط.
وعليه بات رفع ولاية القضاء عن تصدير مثل هذه الأحكام وإيعاز لسلطة الدولة يجد مشروعيته الوطنية والدولية، إذ إن الحكم القضائي الجنائي يرتبط بكونه عقوبة لفعل معين ومنصوص عليه وقد يدخل فيه مبدأ التفريد للعقوبة، غير أن إسقاط الجنسية لا يمكن إخضاعه لمبدأ تفريد العقوبة لما يعكسه من أمور سيادية أكثر منها قضائية، كما قد يتعارض مع فكرة كونه عقوبة، ذلك أن العقوبة نتيجة لمخالفة بفعل سلبي أو إيجابي لنصوص قانونية ثابتة في قانون العقوبات، غير أن بعض الأفعال والتصرفات والأنشطة من شأنها أن تهدد الأمن القومي والمجتمعي، ما يستدعي إيعاز هذه السلطة لتقدير الدولة بدلا من أن يكون بمحاكمة علينة أو احكام قضائية.
وعليه فإن إسقاط الجنسية كأداة سيادية تخضع لتقدير واسع يتعلق بحفظ الأمن المجتمعي بشكل عام.
فلجوء الدولة لممارسة حقها الدولي والمحلي من إسقاط الجنسية لأسباب تتعلق بالأمن القومي أو الانخراط في أنشطة إرهابية أو الولاء لدولة أجنبية هو إثبات لحق السيادة اللازم والتي تعكس لإرادة ضبط مجتمعي وترجمة للسيادة الحقيقية.
كما أنه لا يضير ذلك ما يثيره البعض من إشكاليات قانونية، خصوصًا إذا أدت إلى انعدام الجنسية أو استُخدمت كأداة عقابية ذات طابع سياسي، إذ إن التوازن بين السيادة والالتزامات الدولية رهين مصلحة الدولة وتحقيق سيادتها التي تعلو على اي اعتبار وهو أصل ما كرسته المحاكم الدولية من قيمة قانونية واعتمدت عليه الدول فيما بعد.
وعليه نخلص إلى أن تنظيم الجنسية يظل مظهرًا جوهريًا من مظاهر سيادة الدولة، إلا أن هذه السيادة لم تعد بمنأى عن القيود الدولية، التي قد اعتنت بها مملكة البحرين إلى أبعد حد وحاكت جميع تلك القيود بالطريقة الصحيحة القانونية المنضبطة.
ومن ثم، فإن أي سياسة وطنية في منح أو إسقاط الجنسية ينبغي أن تُبنى على هذا التوازن الحكيم الذي تقلدته المملكة، وذلك ضمانًا لشرعيتها داخليًا ودوليًا.
* كاتب بحريني