هدوء الصيف يسبق عواصف الحرب.. ومستوى السيولة: لا مشكلة
تحليل اقتصادي | الاقتصاد “الحرج” بين الهدنة الطويلة والسلام الدائم
-
النفط يتعافى .. أسواق المال تترقب .. و“فيتش”: لا ثقة
-
الشركات العامة تربح .. و“الكبرى” تواصل مكاسبها
-
البورصة مستقرة ومؤشرها متوازن .. حتى اللحظة
-
البنوك تلعب دورًا كبيرًا في تمويل العجوزات وتغطية الاكتتابات
-
الخبراء والمحللون الكبار .. انزواء بفعل التقاعد أو إرادة السماء
-
أزمة “المضيق” تطلق شظاياها والتهدئة لا تعني زوال الخطر
مجرد مذكرة تفاهم سافرت آلاف الأميال جيئةً وذهابًا بين طرفي الصراع، ومن خلال الوسطاء المعتمدين، هي التي فردت أجنحتها على تحليلات الخبراء بشأن الوضع الاقتصادي في المنطقة، واقعه، مستقبله، وتقييم وكالات التصنيف الائتماني العالمية. المذكرة التي قد تقود إلى سلام شامل ودائم في المنطقة محتمية بهدنة الستين يومًا، ومدعومة برغبة الأطراف المتصارعة في إنهاء الحرب بأي ثمن، أي ثمن.
من هنا، أُفتتحت أسواق النفط العالمية على أعلى معدل هبوط منذ شهور بعيدة، من “101 دولار لبرميل برنت”، إلى نحو “94 دولارًا”، و”نايمكس” من “94 دولارًا إلى 89 دولارًا للبرميل الواحد”، هذه الحالة لعبت دورًا مهمًا في استقرار أسعار السلع في الأسواق العالمية، على الرغم من أن التلويح باستخدام القوة العسكرية مازال قائمًا، بل ومستخدمًا حتى اللحظة.
قد تكون العصا والجزرة، عصا إعادة الهجمات لسابق عهدها في مارس وأبريل الماضيين، وقد تكون هي الجزرة التي تحملها مذكرة التفاهم الغامضة التي لم يتم الكشف بعد عن تفاصيلها رغم ما أُثير حول ضرورة الصرامة في الملف النووي، والأموال المفرج عنها بواسطة الطرف الأميركي لصالح الطرف الإيراني.
“المضيق” والاتفاق التاريخي
أما “المضيق”، فيبدو أنه أمام اتفاق تاريخي يقول: لا رسوم مرور على السفن المارة، ولا قيود تذكر على حركة الملاحة البحرية فيه، وفقًا لاتفاقية النقل عبر البحار، ولقوانين المرور من المضايق في كافة المناطق والقارات. كل ذلك أوحى للاقتصاديات بأن تستقر، وللأسواق بأن تهدأ، وللأسعار لكي تغادر سقف التضخم لتهبط به إلى مستويات جديدة.
هذا الوضع دفع الخبراء رغم تقاعد أو رحيل “الأهم” منهم، ورغم تحفظ المتاحين المحتملين، أدى إلى شح في التحليلات، وإخفاء للمعلومات، وصعوبة في التعاطي مع الشأن العام بروح الثقة المتبادلة والحرص على الشفافية والإفصاح اللذين هما من شيم الأسواق المتطورة، والاقتصاديات المؤثرة.
“تويتة” بهزاد
مؤخرًا، خرجت “تويتة” من المفكر الاقتصادي والخبير الاستراتيجي مستشار الأسواق المالية في المنطقة، والرئيس الأسبق لاتحاد البورصات العربية، والمؤسس لبورصة البحرين، الدكتور فوزي بهزاد، يتحدث فيها عن استبدال منظومة الدعم الاستهلاكي بالدعم الذكي، والانتقال من مرحلة المكافآت النقدية إلى المكافآت العينية، وهي “تويتة” لابد وأن تكون محل نظر، نظرًا لأنها تمثل “بطانة” أو خلفية مالية للتحول القادم من اقتصاديات التمويل المباشر إلى الاقتصاد القيمي المستدام، ومن مرحلة الاستهلاك باستخدام السيولة المفرطة، إلى مرحلة الاستهلاك ولكن باستخدام القيم المضافة “المُنشطة”.
هنا كان يجب أن نفكر ونفكر، في أن الوعي الشعبي لابد وأن يرتقي بتأثيره ورغباته وطموحاته إلى الوعي المؤسسي، ومستوى المعيشة من تقديرات وأساليب التأثير إلى السياسات المالية دائمة التعبير عن الواقع الحقيقي للاقتصاد.
من عزام إلى بسيسو.. إلى!
لم يمر يوم إلا ونجد اجتهادًا عابرًا لشاشة، أو فكرة مهيمنة على وسيلة تواصل، أو “عِظة” من خبير قد نأخذ بها أو نتجاهلها، لم يمر يوم إلا وبحثنا فيه مع مجموعة المعلقين الاقتصاديين عن قامة تضعنا خلف المستقبل، وتثبتنا بوضوح أمام المرآة لكي نرى أنفسنا بشكل أوضح، لم يوم إلا وتمنينا أن يكون بيننا في هذه العجالة الخبير المصرفي والمالي العالمي الدكتور هنري عزام عبر نشراته الدورية التي كان يطل بها علينا، إما من نافذة بنك الخليج المتحد، أو من البوابة الرئيسة لبنك الخليج الدولي الذي كان قد انتقل إليه خلال حقبتي الثمانينيات والتسعينيات.
ولم يمر يوم إلا وتذكرت العمود التحليلي الأسبوعي الذي كان يخرج به الخبير المصرفي والاقتصادي الكبير الراحل عدنان بسيسو لكي يقول لنا: أنتم على حق طالما اعترفتم بأنكم على باطل، وأن البعض منا لديه بعض الحق وإلا سيكون مهتمًا بالوقوع في شرك كل الباطل. كان يفكر بجدلية واضحة حول نشوء المجتمعات والتجمعات الاقتصادية الحديثة، وكان يطرح أفكاره معتمدًا على الرؤية والرقم، على التجربة والاستنتاج، وعلى التعاون الإقليمي لا التعاون الدولي فحسب، وكان دائمًا يحذرني من الانكفاء على القطر أو الذات، على حصر واختصار كل إمكاناتنا التنموية في نفط زائل، أو مورد طبيعي عابر، أو فرصة لم تأت رغم أننا كنا نستحقها.
لإعادة تشكيل الاقتصاد
كان دائم الإلحاح على المسؤولين والمفكرين من خلال عضويته في أكثر من لجنة وهيئة لإعادة تشكيل الاقتصاد الوطني عبر أكثر من مرحلة، وخلال أكثر من معضلة، وكان على العكس من الاقتصاديين الذين يغلبهم التحفظ، وتخونهم الصراحة، وتعطلهم الأفكار الحذرة من التعاطي مع الشأن العام، و.. كان يمتلك قدرة هائلة على تطويع المشكلات وترويضها، وتفتيت الأزمات وإزالتها، والبدء من جديد ولو كره البعض أسلوبه في المواجهة وشجاعته في التعامل مع الأمل.
ولو أن هذا التحليل الذي أراه ضروريًّا ونحن نمر بأزمة الاجتهادات والاجتهادات المضادة بشأن فحوى مذكرة التفاهم “الإيراترامبية”، لقمنا برصد أسماء أخرى كانت توقعاتها تهز الوسط الاقتصادي، وتساهم في إنجاز ما يمكن إنجازه بالسرعة والكفاءة والإتقان المطلوب، حيث المشكلة الاقتصادية قد تتفاقم لو لم نجد من يحلحلها من عقدتها الجهنمية، وأن الأزمة يمكن أن تستفحل لو لم نعثر على العلاج الشافي لها بالسرعة المطلوبة.
مرحلة ما بعد الحرب
واليوم، ونحن في معرض قراءة سريعة للأحداث السياسية الإقليمية وتأثيراتها اللوجستية على مجمل الأوضاع الاقتصادية، لا يسعنا إلا العودة لأحوال أسواق المال لدينا، ونحن نقترب من مرحلة ما بعد الحرب، أو ما بعد الهدنة، هل ستصدق توقعات الخبراء بأننا قد نمر بأزمة سيولة، نظرًا لأن دول المنطقة تغادر الخطر وهي محملة بأعباء مالية ثقيلة قد تحتاج معها للاقتراض من الأسواق المالية العالمية، وهل التصنيف الاستباقي لوكالة “فيتش” الذي وضع دول المنطقة جميعها في سلة مخاطر موحدة، تحت عنوان “لا يبعث على الثقة”، هل هو الفرمان النهائي، والقرار الحاسم الذي سوف يدفع مؤسسات التمويل الدولية بالتشنج والتردد وإبداء المخاوف تمهيدًا لرفع أسعار الفائدة على الدول التي سوف تطلب قروضًا؟
الخروج من الدائرة المغلقة
في حواري السابق مع مراد علي مراد وهو خبير مصرفي استراتيجي مهم، يرى بأن الخروج من هذه الدائرة المغلقة للتمويل لابد وأن يتم من خلال العلاقات الأخوية القوية مع دول الوفرة في المنطقة، وهي دول تربطنا بها وشائج قربى، ومصير واحد، ومصالح مشتركة، تمامًا مثلما تتمتع تلك الدول بوفورات مالية ضخمة تتجاوز الأربعة تريليونات من الدولارات المستثمرة في صناديق سيادية حكومية وخاصة بأسواق المال والعقارات والسندات الدولية، هذا الأمر وفقًا للسيد مراد سوف ينتج لنا حرية اختيار أكثر مرونة عند الذهاب للاقتراض، أو عند تحديد مدى الحاجة أصلاً لمزيد من القروض الدولية، بعد أن تجاوزت دولاً عديدة سقوف الاقتراض المسموح لها بها ولابد من الحصول على موافقات من السلطات التشريعية القائمة في تلك الدول قبل الشروع في الاقتراض من عدمه.
البنوك التجارية، وهذا للتذكير وتمكيننا من التزام حسن التدبير، فإنها تقوم منذ نحو ثلاثين سنة بعمل وطني جليل، ودور اقتصادي رائد، من خلال تغطيتها لأذونات الخزانة وسندات التنمية التي يطرحها مصرف البحرين المركزي ومن قبله مؤسسة نقد البحرين، حيث يتم دائمًا تغطية الاكتتابات في هذه الأدوات بأكثر من المطلوب مما يؤكد على حجم الثقة المتبادلة بين تلك البنوك وحكومة البحرين، تمامًا مثلما يشير إلى تمتع اقتصادنا الوطني بالحرية والكفاءة والتنويع المفضي إلى تحقيق أكبر استفادة ممكنة من أموال هذه الأوراق المالية، واستثمارها في قنوات طويلة الأجل، وفي مشاريع تنموية جاهزة بالفعل، أكثر من توظيفها في مصروفات متكررة لتغطية العجز في الموازنة العامة للدولة، أو للوفاء بأقساط قروض مستحقة علينا على طريقة استبدال المديونية بأخرى، وتحويل العجز إلى مشاريع، والمشاريع إلى قيمة مضافة وسيولة نقدية لتغطية هذا العجز، والوفاء بخدمته طوال فترة الاقتراض.
اقتصاد التحول الذكي
هذه هي حالة الأسواق المالية لدينا، وذلك هو مجمل الوضع الشمولي لما يمكن أن نطلق عليه باقتصاد “التحول الذكي”، ذلك الاقتصاد الذي يعتمد على التفكير خارج الصناديق التقليدية، وتوجيه بوصلتنا التنموية من “التنويع المؤقت” إلى النماء المستدام، ومن الخطط الخمسية أو العشرية للتنمية إلى الرؤى المرحلية للمرحلة من 2030 إلى 2050.
هذا الوضع يفرض سياقًا آمنًا للمستثمرين الذين يتوجهون لمملكة البحرين لكي يقيموا مشروعاتهم على أراضيها، يبقى فقط أن تقوم الوزارات، كل الوزارات بتقديم خططها الاستراتيجية التنموية وأهمها وزارة الصناعة والتجارة ومجلس التنمية الاقتصادية، وغرفة تجارة وصناعة البحرين، بتحديد طبيعة ونوعية المشاريع ذات الجدوى وتلك التي نحتاج إليها للاعتماد أكثر على النفس، والتخلي تدريجيًّا عن الاستيراد من أجل إعادة التوازن لميزان المدفوعات وميزان الحسابات الجارية، والموازنة العامة للدولة.
النفط وأزمة “المضيق”
رغم بدء زوال أزمة “المضيق”، وعدم تراجع الأسعار لأقل من 80 دولارًا لبرميل النفط، وهو السعر المستهدف تقريبًا خلال المرحلة الراهنة، هو ما يؤسس على أن النفط سوف يظل لاعبًا أساسيًّا في تمويل الموازنة العامة، بل أنه سوف يشارك بقوة في تمويل العجوزات المتوقعة نظرًا لزيادة الإنفاق على بند “مصروفات أخرى”، أي الطارئة، والتي نتجت عن حرب الأربعين يومًا، وتلك التي فرضت واقعًا جديدًا على دول المنطقة بإعادة النظر في بنيتها الدفاعية التي كانت قائمة على السلام لا الاستسلام، والتي سوف تظل على النهج ذاته إذا لم يجد في الأمور أمور.
اقتصادنا بخير والحمد لله، والدليل أرباح الشركات المساهمة العامة المسجلة في سوق البحرين للأوراق المالية “البورصة”، وتلك التي تقدم خدمات تعليمية وسياحية وصحية، وما زالت خارج منظومة السوق المالي رغم آثارها الممتدة، ورؤيتها المتجددة، وأحوالها المطمئنة.
