العدد 6444
السبت 06 يونيو 2026
لماذا تتحول التقييمات إلى طقوس كاذبة؟
السبت 06 يونيو 2026

في معظم المؤسسات، يبدأ موسم تقييم الأداء بشيء من الجدية وينتهي بشيء من التمثيل. تُعقد الاجتماعات، تُملأ النماذج، تُناقش الدرجات، وتُرفع التوصيات. يبدو المشهد من الخارج وكأنه ممارسة إدارية رصينة تهدف إلى قياس الأداء وتحفيز الموظفين وتطويرهم. لكن السؤال الذي نادرًا ما يُطرح هو: هل ما يجري فعلًا هو تقييم للأداء، أم مجرد طقس تنظيمي يتكرر كل عام لأن الجميع اعتاد عليه؟ المشكلة لا تكمن في فكرة التقييم نفسها، بل في التحول التدريجي الذي يجعل الغاية تختفي وتبقى الطقوس. فبدل أن يكون التقييم أداة لفهم الأداء الحقيقي، يصبح أداة لإدارة المشاعر وتجنب الصدامات والمحافظة على الانسجام الظاهري داخل المؤسسة. المدير لا يريد إحراج الموظف، والموظف لا يريد سماع ما لا يعجبه، وإدارة الموارد البشرية تريد إكمال الدورة السنوية دون مشاكل. وهكذا يصبح الهدف غير المعلن هو عبور الموسم بأقل قدر من التوتر.

في كثير من الأحيان، يعرف المدير مسبقًا التقييم الذي سيمنحه قبل أن يراجع أي نموذج. ويعرف الموظف بدوره أن بعض الملاحظات لن تُقال بصراحة مهما كانت صحيحة. الجميع يشارك في المسرحية نفسها. الكلمات تُختار بعناية، والانتقادات تُخفف، والنقاط الحساسة تُؤجل إلى أجل غير مسمى. والنتيجة أن الوثيقة النهائية قد تعكس ما يمكن قوله، لا ما يجب قوله. المفارقة أن المؤسسات تنفق آلاف الساعات على هذه العملية ثم تتفاجأ بأن الأداء لا يتحسن، وأن المواهب لا تتطور، وأن المشكلات نفسها تتكرر عامًا بعد عام. وهذا طبيعي، لأن الطقوس تمنح شعورًا بالسيطرة أكثر مما تحقق السيطرة فعلًا. فهي تنتج تقارير أكثر مما تنتج فهمًا، وتولد مؤشرات أكثر مما تولد تغييرًا. التقييم الحقيقي ليس نموذجًا يُملأ في نهاية السنة، بل حوار مستمر يتطلب شجاعة وصدقًا وثقة متبادلة. أما عندما تصبح النماذج أهم من الحقيقة، والدرجات أهم من التطور، فإن التقييم يفقد وظيفته الأصلية ويتحول إلى طقس مؤسسي آخر يؤديه الجميع، بينما يتظاهر الجميع أيضًا بأنه مازال يؤدي غرضه.

 

* مصرفي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .