العدد 6420
الأربعاء 13 مايو 2026
حين تتحدث الدولة بلغة الاستقرار
الأربعاء 13 مايو 2026

 ليست كل الكلمات السياسية تُقال فقط لشرح موقف، فبعضها يأتي في لحظات تشعر فيها الدولة بأن عليها أن توضّح ما الذي يمكن تجاوزه وما الذي لا يمكن المساس به. وهذا ما بدا واضحًا في الكلمة السامية لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حين وضع أمن البحرين واستقرارها فوق كل اعتبار، لأن استقرار الدولة لا يمكن التعامل معه بردود فعل مؤقتة أو حسابات ضيقة.

ولم يقتصر الحديث على الأمن بمعناه التقليدي فقط، بل امتد إلى فكرة الدولة نفسها، لأن الدول لا تُقاس فقط بما تملكه من مشاريع أو مؤسسات أو خطط تنموية، بل أيضًا بقدرتها على الحفاظ على تماسكها الداخلي عندما تمر المنطقة بظروف حساسة أو توترات متسارعة. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح الحفاظ على الاستقرار جزءًا من الحفاظ على تماسك الدولة والمجتمع معًا، خصوصًا عندما تتداخل التحديات الأمنية مع التوترات الإقليمية وتبدأ آثارها بالانعكاس على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي وعلى تفاصيل الحياة اليومية داخل المجتمع.

وفي ظل هذا النوع من التحديات، يصبح الحسم جزءًا من طريقة الدولة في حماية استقرارها، خصوصًا مع ما تشهده المنطقة من اعتداءات ومحاولات إيرانية للمساس بأمن البحرين وسيادتها. فالدول في هذه الظروف لا تنظر فقط إلى الجانب الأمني المباشر، بل إلى قدرتها على الحفاظ على توازنها وسط بيئة إقليمية متغيرة وسريعة التحول، لأن أي اضطراب في هذا المشهد ينعكس على صورة الدولة وثقة المجتمع بمؤسساته، كما ينعكس على شعور المجتمع بالأمان والاستقرار.

وهنا تبرز مسألة المواطنة بوصفها مرتبطة بمعنى الانتماء والمسؤولية الوطنية، فالمواطنة لا تُفهم فقط بوصفها صفة قانونية، بل كعلاقة تقوم على مبادئ المواطنة والانتماء والمسؤولية تجاه الدولة واستقرارها وتماسكها المجتمعي. 

وفي مثل هذه اللحظات، تعود مفاهيم الهوية الوطنية والانتماء إلى الواجهة، بينما يبقى الولاء للوطن وقيادته من الثوابت المرتبطة بفكرة المواطنة في المجتمع البحريني، خصوصًا في المجتمعات التي تدرك أن قوة الدولة لا تنفصل عن قوة العلاقة بين المجتمع ووطنه ومؤسساته الوطنية.

كما أن الأمن الوطني لا يعتمد فقط على دور الدولة، بل أيضًا على وعي المجتمع نفسه. فالحس الوطني الحقيقي لا يظهر في الشعارات ولا في ردود الفعل المؤقتة، بل في إدراك المجتمع البحريني أن استقرار الدولة ينعكس على تفاصيل الحياة اليومية ومستقبل الأجيال القادمة. ولهذا تبدو اللحمة الوطنية في مثل هذه اللحظات جزءًا عمليًّا من حماية الوطن، وليست مجرد عبارات تُقال وقت الأزمات، لأن المجتمعات التي تحافظ على تماسكها وقت التوتر تكون أكثر قدرة على تجاوز الأزمات بأقل الخسائر الممكنة.

لكن ربما أكثر ما يستحق التوقف هو وصف صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، للبحرين بـ “البيت الجامع”، لأن هذه العبارة تختصر جانبًا مهمًّا من طبيعة المجتمع البحريني، فالبيت لا يُحمى فقط بالجدران، بل بتماسك من يعيشون داخله، وبقدرتهم على تغليب مصلحة الوطن عندما تمر المنطقة بظروف معقدة أو متغيرة، خصوصًا في الفترات التي تتداخل فيها التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المنطقة.

وفي مثل هذه اللحظات، لا تكون قوة الدولة فقط في القرارات التي تتخذها، بل أيضًا في وعي مجتمعها وفي قدرتها على الحفاظ على التوازن الداخلي. فالدول لا تُعرف فقط بما تحققه في أوقات الاستقرار، بل أيضًا بالطريقة التي تحافظ بها على تماسكها عندما تواجه محيطًا مليئًا بالتحولات والتحديات.

* كاتب وأكاديمي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .