في زمنٍ باتت فيه الأنوثة سلعةً تُعرض على الشاشات والمنصات، وصار الظهور بديلًا عن العمق، والصخب بديلًا عن الحضور، يجد الرجل الباحث عن معنى حقيقي نفسه أمام صحراء من الوجوه المتشابهة، المطلية بالمؤثرات والفلاتر، المشغولة بعدد المتابعين أكثر من انشغالها ببناء الروح.
ولا يمكن فهم هذه الصحراء دون أن نفهم الآلة التي صنعتها... منصاتٌ أسهمت في إنتاج وهمٍ بشري مُركّب، صنعت من الظهور قيمة، ومن الاستعراض هويةً، ومن التفاهة ثقافةً. منصاتٌ لم تكتفِ بتشويه صورة الأنوثة، بل أعادت تعريفها من جذورها، فأصبحت المرأة التي تُحتَذى هي من تملك الأكثر متابعةً لا الأعمق قيمةً، ومن تُتقن الظهور لا من تُتقن البناء. لم تمت الأنوثة الحقيقية، لكنها اختبأت - وأصبح إيجادها فعلًا استراتيجيًّا قبل أن يكون رومانسيًّا.
في ظل هذا الزحف الرقمي المتسارع، نشأ جيلٌ من الإناث لم يتلقَّ تربيةً روحية حقيقية - فلا هوية راسخة تحميه، ولا نموذجٌ أمومي صحي يرشده، ولا قيمة جوهرية تُعرّفه لنفسه. إناثٌ يحملن قدرًا هائلًا من الجراح المُقنَّعة بالجرأة، ومن الفراغ الداخلي المُغلَّف بالحرية، ومن العطش العاطفي المُسمّى تحررًا.
وحين أتحدث عن المرأة المنشودة في مقابل هذا كله، لا أتحدث عن مثالية موهومة نسجها الخيال الذكوري، بل عن بنيةٍ نفسية واضحة المعالم - امرأة خرجت من بيئة صحية، تلقّت تربية قوّمت روحها قبل أن تشكّل شخصيتها، ونشأت في كنف عاطفي لم يُشوّهها ولم يستنزفها. هذه المرأة لا تحمل جروح الماضي كأوسمة، ولا تجعل من ألمها هويةً، ولا تبحث في عيون الرجال عن تعويض لما أخذته منها الحياة. هي ببساطة - امرأة كاملة، لا ناقصة تبحث عمّن يكملها.
الأنوثة الحقيقية في جوهرها قوة احتواء لا قوة إغراء. المرأة التي تجعل من زوجها عالمها لا تتخلى عن ذاتها - بل تختار بوعيٍ تام أن تبني مملكة داخلية عوضًا عن أن تشتّت طاقتها في ميادين لا تُنتج معنىً. هي تعرف الفرق بين الانتماء الروحي والذوبان العاطفي، بين الاحتواء والاستسلام، بين أن تكون ملاذًا وأن تكون مجرد ظلٍّ صامت. المرأة التي أعنيها تحضر بكامل ثقلها - لكنها تحضر لشخص واحد، بعمقٍ واحد، في اتجاهٍ واحد.
في المقابل، أصبحنا نشهد ظاهرة لافتة للدراسة والتأمل - امرأة تستخدم أنوثتها منصة للصعود الاجتماعي، تتقن فن لفت الأنظار وتعتقد أن الاهتمام العابر دليلٌ على القيمة الدائمة. هذه الأنثى المضطربة لا تبحث عن علاقة - تبحث عن جمهور. لا تريد شريكًا - تريد مُعجَبين. وحين تتزوج، تحمل معها كل هذا الضجيج إلى بيتٍ لا يتحمّل إلا الصمت المثمر والهدوء البنّاء. والأخطر في هذه الظاهرة ليس وجودها - بل وظيفتها الاجتماعية المُدمِّرة. هذا النمط من الأنوثة المُفرَّغة لا يكتفي بأن يعيش حياته المختارة - بل يسعى بوعيٍ أو بغير وعي إلى تصدير نموذجه، وتطبيع اضطرابه، وتحويل كل بيتٍ مستقر إلى ساحة تساؤل، وكل علاقةٍ ناضجة إلى موضع شك. فالمرأة التي لم تجد في نفسها وطنًا لن تطيق أن ترى غيرها قد بنى وطنه - لأن نجاح الآخرين فضحٌ صامت لإخفاقها. وعلم النفس السيادي لا يُدين هؤلاء بقدر ما يُشخّص فيهن ضحايا مرحلة ثقافية بالغة الخطورة - مرحلة فصلت الأنوثة عن معناها، وقطعت الإنسان عن جذره، وأنتجت أجيالاً تبحث عن الارتواء في كل مكان إلا في المكان الوحيد الذي يوجد فيه - في الداخل.
المرأة التي أكتب عنها لا تحتاج إلى أن تُعلن عن نفسها - وجودها بيانٌ كافٍ. هي المرأة التي حين تدخل غرفةً تملؤها بحضورها لا بضجيجها، وحين تصمت يكون صمتها أبلغ من كلام كثير. هي الأم التي تزرع في أطفالها جذورًا لا جروحًا، والزوجة التي تجعل من البيت حصنًا لا ميدانًا. في جيوبوليتيك الأنوثة، هذه المرأة ليست مجرد شريكة حياة - هي مشروع حضاري كامل. وأولئك الرجال الذين يجدونها يعرفون في قرارة أنفسهم أنهم لم يعثروا على امرأة فحسب - بل عثروا على وطن.
*باحث في شؤون الإعلام والوعي الاستراتيجي وعلم النفس السياسي