العدد 6408
الجمعة 01 مايو 2026
الصين ونحن والآخرون!
الجمعة 01 مايو 2026

 إعجابي بالصين كدولة يفوق أي تصور، فما بالك بحضارتها التي تعد من أقدم الامبراطوريات المتطورة في العالم القديم، وببلد يعد من أكبر الدول تقدمًا وتطورًا في العالم الحديث، والعلاقات مع الدول العربية والأفريقية تشهد نموًّا متسارعًا في مختلف المجالات، حيث تعد الصين أكبر شريك تجاري للدول العربية بحجم تبادل تجاري يتجاوز 400 مليار دولار.
هذه العلاقات التاريخية ليست وليدة اليوم، بل تمتد جذورها في أعماق التاريخ، لما للصين من تاريخ وحضارة عريقة متواصلة مع سلطنة عمان والدول العربية، خصوصًا عبر طريق الحرير القديم الذي لم يكن طريقا للتجارة فحسب، بل كان جسرًا للتواصل الثقافي والتفاعل الحضاري بين الجانبين.
وفي القرن الحالي، ومع انتهاء الحرب الباردة بين الروس والأميركان، ازدادت العلاقات والتعاون بين الدول العربية والصين بشكل ديناميكي وسريع من خلال إقامة منتدى التعاون العربي – الصيني، ثم انعقاد القمة التاريخية العربية - الصينية الأولى في ديسمبر عام 2022 في الرياض بالمملكة العربية السعودية، والتي أسفرت نتائج مهمة، حيث تم اعتماد ثلاث وثائق وهي “إعلان الرياض، ووثيقة الخطوط العريضة لخطة التعاون الشامل بين الصين والدول العربية، ووثيقة تعميق الشراكة الاستراتيجية العربية - الصينية من أجل السلام والتنمية”.
واليوم نلاحظ أن هذه العلاقات الطيبة التي تنمو من خلال مبادرة “الحزام والطريق” شهدت مشاريع كبيرة في مجالات الطاقة والبنية التحتية وغيرها، وتطورت حتى أصبحت الثقافة واللغة الصينية كذلك حاضرة في بعض الجامعات والمدارس في الدول العربية، وهناك أكثر من 30 فرعًا لمعهد “كونفوشيوس” في العديد من الدول العربية.
فالعلاقات واضحة ومبنية على الصداقة والمصالح الاستثمارية دون ضرر ولا ضرار، والصين أمة ذات تاريخ طويل، وتأسيس معهد “كونفوشيوس” عام 2004م لتعميم وتعليم اللغة الصينية ونشر الثقافة الصينية حول العالم، فكرة رائدة لما تملكه الصين من ثقافة متنوعة واقتصاد قوي متنام وسريع، يتطلب وجود اللغة، واليوم هناك أكثر من مئة دولة وأكثر من 500 مركز لتدريس اللغة الصينية في مختلف القارات والدول مثل اللغات الأجنبية الأخرى الإنجليزية والفرنسية والروسية والإسبانية وغيرها.
إن ما نراه اليوم من تعامل سياسي واقتصادي عربي مع الصين ومن مواقف إيجابية مع مختلف القضايا العربية والإسلامية يحتم على العرب الاقتراب أكثر من الصين الشعبية التي لا تحمل أجندة سياسية ولا عسكرية من وراء تمويل ونشر ثقافتها ولغتها ومعاهدها حتى ولو كان هذا التوجه على نفقة الحكومة الصينية. إن رؤية وفكرة إنشاء أول “معهد كونفوشيوس” بسلطنة عمان، لن تكون مفاجأة، بل في إطار العلاقات العمانية الصينية التاريخية، فالفيلسوف الصيني الشهير كونفوشيوس، هو أول فيلسوف صيني يفلح في إقامة مذهب يتضمن كل التقاليد الصينية عن السلوك الاجتماعي والأخلاقي، لأن فلسفته قائمة على القيم الأخلاقية والاجتماعية والعدالة.
فالانفتاح اليوم على المعرفة الصينية في كل النواحي والولوج معها للأمام، يمكن أن يخلق نقاط التقاء تزداد متانتها مستقبلا، ومن الصعوبة بمكان استجلاء بواطن الظاهر والخفي في تلك العلاقات الثنائية العربية الصينية، فلا تزال الصين تنظر للعرب على أنهم مازالوا متولعين بالثقافة الغربية وغياب الشفافية والمصداقية، ولكن البراغماتية السياسية تفرض على الجانبين معطيات كثيرة بعيدا عن العلاقات مع الغرب وأميركا والتصريحات العدائية، فالواقع يقول إن الصين بلد يمكن التعاون والوثوق به حاضرًا ومستقبلًا.
خلاصة القول إن الصين والدول العربية متقاربة في الكثير من الأمور، ورغم تعدد الأخطار والتحديات في المنطقة والعالم، تبقى الصين بلدا يمكن الوثوق به والدخول في شراكات اقتصادية واستثمارية معه، والفيلسوف “كونفوشيوس” حمل الكثير من النظريات في هذا الاتجاه لأن نظرياته تقوم على مبدأ السلام والخير الذي يشتمل على جميع الأخلاق الجميلة، وفي سلطنة عمان ومع دخول اللغة بعض المدارس الحكومية والتي لا تتجاوز خمس مدارس حاليا، نأمل أن نرى هذه اللغة منتشرة في العديد من المدارس الحكومية والخاصة وأن يكون لمعهد “كونفوشيوس” وجود في سلطنة عمان.. والله من وراء القصد.

 

*كاتب ومحلل سياسي عماني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية