تتصدر الصحة النفسية اليوم قائمة المواضيع الأكثر إلحاحًا في زمن الحرب، إذ لا يمكن النظر إليها كترف فكري أو شأن ثانوي، بل باعتبارها رهان الثبات الإنساني في المواقف الصعبة، وميزان القدرة على الصمود وسط الكوارث والأزمات. فحين يقترن الحديث عن الصحة النفسية بمصطلح الحرب، فإننا لا نتحدث عن حدث عابر، بل عن منظومة كارثية عميقة لا تمس الإنسان وحده، بل تمتد لتطال كل ما يرتبط بحياته نفسيًّا، واجتماعيًّا، وسياسيًّا، واقتصاديًّا.
وفي ظل الأحداث الراهنة، تبرز حاجة مستمرة وملحّة إلى تسليط الضوء على قضايا الصحة النفسية التي يعيشها الفرد بصورة مباشرة، وهنا نتحدث أولًا عن الحالة الفكرية للإنسان، وعن طبيعة الأفكار التي تتشكل داخله تحت ضغط الأخبار والمخاوف والتوقعات. إذ يصبح من الضروري الانتقال من التفكير الكارثي الذي يستنزف الطاقة ويضاعف القلق، إلى التفكير الواقعي الإيجابي الذي يمنح مساحة من الاتزان والقدرة على المواجهة. كما تفرض المرحلة الانتباه إلى الحالة الشعورية، والمقصود بها كيفية التعامل مع الخوف والقلق، وإدارة المشاعر المضطربة بعيدًا عن الاستسلام لها. فالمشاعر في أوقات الأزمات لا يمكن إنكارها، لكنها تحتاج إلى وعي واحتواء، حتى لا تتحول إلى حالة دائمة من الهلع أو العجز.
ومن أوجه العناية بالصحة النفسية كذلك، العودة قدر الإمكان إلى ممارسة تفاصيل الحياة الطبيعية؛ فالاستمرار في الروتين اليومي، والانشغال بالمهمات المعتادة، والتواصل الإنساني، وممارسة الأنشطة النافعة، كلها وسائل تساعد على تشتيت الأفكار الوسواسية المرتبطة بالحرب، وتعيد للإنسان شعوره النسبي بالأمان والسيطرة. إن الحديث عن الصحة النفسية في مثل هذا التوقيت ليس رفاهية لغوية، ولا طرحًا نظريًّا مؤجلًا، بل هو أول مبادرات العلاج النفسي الذاتي، وبوابة أساسية لصناعة وعي يحمي الإنسان من الانهيار الداخلي، ويعينه على الوقاية من آثار الأزمات وتبعاتها النفسية قدر المستطاع. ففي أوقات الحرب، قد لا نملك تغيير المشهد الخارجي، لكننا نملك كثيرًا من الأدوات لحماية عالمنا الداخلي، وهذا بحد ذاته شكل من أشكال المقاومة الواعية.
*كاتبة وأخصائية نفسية بحرينية