العدد 6389
الأحد 12 أبريل 2026
وقف إطلاق النار.. بين نافذة الأمل وضرورة إعادة التموضع الخليجي
الأحد 12 أبريل 2026

مع إعلان التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، تنفست المنطقة الصعداء، ولو مؤقتًا، بعد أسابيع عصيبة من المواجهات التي كادت أن تنزلق بالشرق الأوسط إلى حافة مواجهة أوسع وأكثر خطورة. ويظل الأمل معقودًا على أن يصمد هذا الاتفاق، وأن تفضي المفاوضات الجارية إلى تسوية دائمة تضع حدًا لدورات التصعيد المتكررة التي أنهكت المنطقة منذ عقود.
غير أن هذا التفاؤل المشروع لا ينبغي أن يحجب عنا ضرورة التحلي بالحيطة والحذر؛ فالتجارب السابقة علمتنا أن اتفاقات وقف إطلاق النار، مهما بدت واعدة، تظل هشة ما لم تستند إلى إرادة سياسية حقيقية لمعالجة جذور الصراع، لا الاكتفاء بإدارة نتائجه. ومن هذا المنطلق، تجد دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية نفسها أمام لحظة دقيقة تجمع بين الأمل في السلام، والوعي بضرورة الاستعداد لكل الاحتمالات.
لقد كانت دول الخليج العربية، أنظمةً وشعوبًا، في قلب هذه المواجهة، على الرغم من أنها لم تكن طرفًا فيها؛ فقد امتدت نيران الصراع إلى أراضيها، وتعرضت للآلاف من الاعتداءات الإيرانية الآثمة بالصواريخ والطائرات المسيرة، مما ألقى بظلاله على أمنها واستقرارها، وألحق أضرارًا مادية ومعنوية عميقة لم تعهدها الذاكرة الخليجية الحديثة. ومع ذلك، اختارت هذه الدول، بوعي ومسؤولية، ضبط النفس وعدم الانجرار إلى دائرة التصعيد، في موقف يعكس قدرًا عاليًا من الحكمة وبعد النظر.
لكن هذه الحكمة لم تمنع وقوع الأضرار؛ فقد تعطلت عجلة الاقتصاد، وتضررت مرافق البنية التحتية، وتراجعت معدلات النمو، كما تأثرت ثقة الأسواق والاستثمارات. وتشير التقديرات إلى أن الخسائر المادية المباشرة وغير المباشرة بلغت مستويات غير مسبوقة، شملت توقفًا جزئيًا في صادرات النفط والغاز، وتعطل سلاسل الإمداد، وتباطؤ النشاط الإنتاجي. والأخطر من ذلك، أن هذه التطورات جاءت في لحظة كانت فيها دول الخليج على أعتاب تحول اقتصادي تاريخي، تسعى من خلاله إلى تقليص اعتمادها على النفط، وبناء اقتصادات أكثر تنوعًا واستدامة.
لقد اهتزت، ولو مؤقتًا، تلك الصورة التي عملت دول الخليج على ترسيخها عقودا، باعتبارها واحة للاستقرار ووجهة جاذبة للاستثمار والكفاءات، غير أن هذه الهزة، على الرغم من قسوتها، لا تعني انهيار المشروع، بل ربما تشكل حافزًا لإعادة تقييمه وتعزيزه على أسس أكثر صلابة.
إن وقف إطلاق النار، في حقيقته، ليس نهاية للأزمة، بل محطة انتقالية تفرض على دول الخليج إعادة قراءة المشهد الاستراتيجي من جديد؛ فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: كيف نمنع تكرار ما حدث؟ بل أيضًا: كيف نبني منظومة أمنية واقتصادية قادرة على امتصاص الصدمات والتكيف مع المتغيرات؟
ومن أبرز الدروس التي كشفتها هذه الأزمة، هشاشة الاعتماد شبه الكامل على ممرات حيوية بعينها، وفي مقدمتها مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية. وقد أظهرت التهديدات بإغلاقه، أو تعطيل الملاحة فيه، حجم المخاطر التي يمكن أن تترتب على استخدامه كورقة ضغط أو ابتزاز سياسي.
هذا الواقع يفرض التفكير الجاد في بدائل استراتيجية، من خلال تطوير ممرات نقل جديدة، وتعزيز شبكات الأنابيب، وربط دول الخليج بموانئ سعودية على البحر الأحمر، وميناءي صلالة ودقم العمانيين على بحر العرب، بما يقلل من الاعتماد على نقاط الاختناق الجغرافية. كما أن هذه المشاريع، على الرغم من كلفتها العالية، تمثل استثمارًا في الأمن الاقتصادي العالمي؛ ما يجعلها محل اهتمام ودعم من قوى دولية متعددة.
وفي موازاة ذلك، برزت أهمية تعزيز التكامل الخليجي، ليس فقط اقتصاديًا، بل أمنيًا ودفاعيًا أيضًا؛ فقد أظهرت الأزمة أن التحديات التي تواجه دولة واحدة يمكن أن تمتد بسرعة إلى بقية الدول، وأن التنسيق المشترك لم يعد خيارًا، بل ضرورة وجودية.
وعلى المستوى المجتمعي، كشفت هذه التجربة عن عمق التلاحم بين الشعوب الخليجية وقياداتها، وعن إدراك متزايد لقيمة الاستقرار وأهمية الحفاظ عليه. كما أعادت تأكيد أن الأمن ليس معطى ثابتًا، بل إنجاز يتطلب يقظة دائمة واستثمارًا مستمرًا.
أما فيما يتعلق بالعلاقة مع النظام الإيراني، فإن التساؤلات ستظل قائمة بشأن إمكانية بناء علاقة قائمة على الثقة والتعاون في المستقبل؛ فالأحداث الأخيرة عمّقت فجوة الشك، وأثارت مخاوف مشروعة حول نوايا وسياسات هذا النظام. ومع ذلك، فإن الجغرافيا والتاريخ يفرضان على دول المنطقة البحث، عاجلًا أم آجلًا، عن صيغ للتعايش، ولو في حدوده الدنيا.
في المحصلة، يمكن القول إن هذه الحرب، على الرغم من قسوتها، قد كشفت لدول الخليج العربية عن حجم التحديات التي تواجهها، وفي الوقت ذاته عن الإمكانات التي تمتلكها لمواجهتها. وإذا ما أحسنت قراءة الدروس، واستثمرت في بناء منظومات أكثر تنوعًا ومرونة، فإنها قادرة على تحويل هذه الأزمة إلى نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة أكثر قوة واستقرارًا.
يبقى الأمل أن يكون وقف إطلاق النار بداية لمسار مختلف، لا مجرد استراحة بين جولة وأخرى؛ فسلام المنطقة لا يمكن أن يقوم على توازنات القوة وحدها، بل على إرادة حقيقية في بناء مستقبل مشترك يقوم على احترام السيادة، وحسن الجوار، والتعاون من أجل التنمية. وحتى يتحقق ذلك، ستظل دول الخليج مطالبة بالمضي قدمًا في تعزيز مناعتها، وصياغة خياراتها الاستراتيجية بعقلانية وواقعية، دون أن تفقد إيمانها بقدرتها على صناعة مستقبلها. 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية