العدد 6378
الأربعاء 01 أبريل 2026
الغرب يُشعل والإيرانيون يُنفذون والخليج في حرب لم يخترها
الأربعاء 01 أبريل 2026

لم يجلس الخليج يوما على طاولة صنعت هذه الحرب. لم يُوقع على وثيقة أُشعل فتيلها. لم يختر أن يكون جارا لإيران، ولا أن يكون شريكا استراتيجيا للغرب الذي يُدير المشهد من عواصمه البعيدة.
الجغرافيا لا تُفاوض، والجوار لا يُستقال منه، والحرب حين تُشعل لا تسأل عن موافقةِ من يحترق في محيطها. هذا هو الإقحام القسري - أن تجد نفسك في قلب معادلة لم تكتبها، تدفع ثمنها بأمنك واقتصادك واستقرارك، بينما من أشعلها يراقب من مسافة آمنة. الحرب الكبرى التي يعيشها الشرق الأوسط في 2026 ليست حربا واحدة - بل منظومةِ حروب متشابكة تتغذى من بعضها؛ غزة التي لم تُغلق جراحها، وإيران التي تحترق بضربات “صهيوأمريكية” مشتركة أسفرت عن اغتيال خامنئي ونخب الحرس الثوري الإيراني، وتدمير منشآتها الاستراتيجية وبناها التحتية، ولبنان الذي يدفع ثمن حروب حزب الله وحروب الآخرين، ومضيق هرمز المُهدد الذي يُربك شرايين الطاقة العالمية. وفي منتصف هذا المشهد المُشتعل - يقف الخليج شاخصا لا بالاختيار، بل بالقدر الجغرافي والضغط الاستراتيجي المُنظم.
ولفهم كيف وصلنا إلى هنا يجب فهم مثلث النار الذي يُحاصر الخليج من أطرافه الثلاثة: الطرف الأول غربي الصنع تماما - قرار اتُخذ في واشنطن وتل أبيب دون استشارة عواصم دول الخليج، لكن تداعياته تسقُط على الخليج بشكل مباشر، طائرات مسيرة إيرانية تدك مطارات دبي والكويت والبحرين، وتحذيرات الحرس الثوري بضرب المراكز الاقتصادية الخليجية لم تكن بلاغة فارغة، بل رسائل عملياتية حقيقية. الغرب قرر الحرب - والخليج يدفع فاتورتها.
الطرف الثاني إيراني التنفيذ - إيران المُنهكة عسكريا لا تستطيع حربا مفتوحة، لكنها تمتلك أذرعا طويلة من الوكلاء والأدوات تجعل الخليج ورقة ضغط في معركة لا هدفا أصليا - وهذا أشد خطورة؛ لأن الورقة تُحرق حين لا تعود نافعة.

والطرف الثالث أميركي المعادلة - واشنطن التي تريد من الخليج ثلاثة أشياء متناقضة في آن واحد: أن يدعم العملية العسكرية ضد إيران لوجستيا، وأن يُبقي أسواق النفط مستقرة، وأن يبقى صامتا سياسيا. هذه المعادلة البراجماتية المستحيلة تُحول الخليج إلى شريك استراتيجي لأجندة لم يُستشر في صياغتها.

الازدواجية الأخلاقية الغربية في هذا المشهد تبلغ حدا يصعب وصفه بغير الانهيار الشرعي القيمي الكامل، الغرب الذي يتحدث عن سيادة الدول يشن ضربات دون تفويض أممي.

الغرب الذي يُطالب الخليج بالمشاركة في منظومة أمنية إقليمية يرفض أي تحرك خليجي مستقل يخرج عن سقف الأجندة الأميركية. والغرب الذي يُحاضر عن حرية الملاحة في مضيق هرمز هو من أشعل الحرب التي تجعل هرمز مستهدفا اليوم. هذه ليست أخطاء سياسية - بل قرارات واعية تحكمها المصلحة الاستراتيجية الصافية، ومن يتعامل معها بغير هذا الوضوح يُضلل نفسه قبل أن يُضلل الآخرين.

الورقة الاقتصادية الناجزة في هذا المشهد والمطوية هي الجريمة الكبرى - لأنها الورقة الأصعب استراتيجيا والتي يملكها الخليج حاليا، تريليونات الدولارات الموجودة في الاحتياطيات السيادية، وشريان الطاقة الذي يتنفس منه العالم، والاستثمارات في أعمق شرايين الاقتصاد الغربي - كل هذا لم يتحول إلى رافعةِ ضغط حقيقية تُعيد رسم حدود الأجندة المفروضة. والسؤال الذي لا يُطرح بصوت عال هو: هل تكلفة الصمت أقلُ فعلا من تكلفة التحرك؟

الشعوب التي ترى الحرائق تقترب يوميا دون أن تجد من يُمثلها بجرأة وصدق في المجتمع الدولي - هذه الشعوب لا تنسى، والشرعية الداخلية حين تتآكل ضد الأميركان لا يُعيدها خطاب ولا يرممها بيان.

شرعية البقاء - والحق السيادي للخليج في تحديد موقفه بمعزل عن الأجندات الخارجية المفروضة - هذه الشرعية لا يمنحها أحد، - تُؤخذ ولا تُعطى - وما يجعل اللحظة الراهنة استثنائية هو أن النظام الإقليمي يُعاد رسمه الآن، في هذه الأشهر بالذات، وما يتشكل اليوم سيظل قائما لعقود.

الخليج الذي يُحدد خطوطه الحمراء بوضوح ويُعلنها، ويفتح قنوات تفاوض مستقلة بعيدا عن الوساطة الأميركية الحصرية، ويبني منظومة أمن ذاتي حقيقية لا يستعيرها من الآخرين - هذا الخليج هو الذي يجلس على الطاولة الآن، ويفرض موازين اللعبة الجديدة وأصولها.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن بعد كل هذه المعانة ما هو المطلوب من الخليج والعالم العربي وجامعة الدول العربية في هذه اللحظة التاريخية؟ والإجابة - دون مواربة - المطلوب ليس الخطاب الحماسي الذي لا يُنقذ ناقلة نفط واحدة، ولا الصمت الذي يُفسر قبولا بكل ما يجري.. المطلوب قولا فاصلا هو خمسةُ أفعال سيادية متزامنة لا تقبل التأجيل.

الأول، أن تُحدد دول الخليج خطوطها الحمراء بوضوح صريح ومُعلن - أيُ ضربة تطال بنيتها الاقتصادية أو أمنها البحري أو سيادتها الجوية تستوجب استجابة لا تحتمل التأويل. فالغموض في مواجهةِ التهديد المباشر ليس حكمة دبلوماسية - بل دعوة مفتوحة لمزيد من الاستهداف.

ثانيا، أن تسعى منظومة دول مجلس التعاون الخليجي، مجتمعة إلى تحويل درعِ الجزيرة لقوة ردع دولية بمقاييس احترافية عسكرية منفصلة عن جيوش المنطقة، تكون مهمتها ردع العدوان عن كل بقعة في شبة الجزيرة العربية وحدها دون احتياج لمساعدات خارجية أو قوى حماية دولية.

ثالثا أن تتحول جامعة الدول العربية، من منبرِ بيانات إلى آلية ضغط جماعي حقيقي بالعمل القانوني الدولي المنسق أمام محكمة العدل الدولية ومجلس الأمن، وبصوت عربي موحد لا يتفتت حين تشتد الضغوط. فالجامعة التي تنعقد وتُصدر البيانات ثم تتفرق دون أثر، هي جامعة تمنح الأطراف المُشعِلة للحرب ضمانا ضمنيا بأن لا ثمن سياسيا على ما تفعل.

رابعا فتح قنوات تفاوض مستقلة بعيدا عن الوصاية الأميركية الحصرية - مع الصين وروسيا وتركيا والهند وباكستان - لإنتاج إطار تهدئة لا تتحكم فيه واشنطن وحدها، فالتنويع الدبلوماسي ليس خيانة للحليف الغربي السابق، بل ممارسة للسيادة الكاملة التي لا تستأذن في تحديد مصالحها.

خامسا، توظيف الورقة الاقتصادية بذكاء ومنهجية - ليس بقطع العلاقات دفعة واحدة، بل بإرسال رسائل لا لبس فيها بأن استقرار أسواق الطاقة العالمية مرتبطا عضويا باستقرار الخليج. ومن يُشعل النار قرب الخزان يتحمل وحده مسؤولية ما يترتب على اشتعاله.

تبقى كلمة أخيرة للكاتب، لقد أشعل الغرب هذه الحرب بحسابات مصالحه الاستراتيجية دون أن يستأذن أحدا. وفي الوقت ذاته تُنفذ إيران أوجاعها بكل أداة متاحة دون أن تحسب ثمن الخليج في معادلتها. وفي المنتصف - يدفع الخليج ثمنا لم يُفاوض عليه، لحرب لم يخترها، في زمن لا يرحم من ينتظر. و “الأيض السيادي” الحقيقي ينص على - تحويل هذا الضغط المتراكم إلى طاقةِ قرار وفعل مستقل وهو الطريق الوحيد الذي لا يُفضي إلى أن يدفع الخليج الثمن مرتين؛ مرة اليوم تحت وطأة الحرب، ومرة غدا حين تُرسم الخرائط الجديدة بدونه.. لهذا فاليوم اليوم رؤية استراتيجية ثاقبة كما تعودنا من حكماء الخليج وقادته فالغرب لا يُعولُ عليه تأمين ولا يُصنع منه نجاح، وكفى بالله حسيبا.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية