في عالم تتسارع فيه التحولات السياسية والاقتصادية بوتيرة غير مسبوقة، لم يعد ممكنًا لدول منطقتنا الاكتفاء بدور المتأثر بالأحداث. فالتوترات والحرب الدائرة في محيطنا الإقليمي امتدت بتداعياتها السياسية والاقتصادية والأمنية لتلامس واقع دول الخليج وشعوبها، ما يفرض ضرورة الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدمًا في العمل الخليجي المشترك.
لقد كشفت هذه التطورات عن أن منطقة الخليج، رغم ما حققته من إنجازات تنموية واقتصادية، ما زالت بحاجة إلى مظلة تكاملية أكثر قوة وصلابة، قادرة على حماية مكتسباتها وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية. ومن هنا تبرز أهمية التفكير في إنشاء اتحاد خليجي يضم جميع دول الخليج، على غرار التجارب التكاملية الناجحة، وفي مقدمتها تجربة الاتحاد الأوروبي.
إن قيام اتحاد خليجي حقيقي يمثل خطوة استراتيجية نحو بناء منظومة اقتصادية وأمنية متكاملة، تقوم على توحيد العملة الخليجية، وفتح الحدود بشكل أوسع، وتسهيل حركة المواطنين ورؤوس الأموال، وتنشيط التجارة والسياحة البينية، بما يعزز التنافسية الاقتصادية عالميًا.
ومنذ تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية بالعام 1981، سعت دول المجلس إلى تحويل القرب الجغرافي ووحدة الثقافة إلى قوة اقتصادية مؤثرة. وتشير الأرقام إلى أن حجم التجارة البينية بين دول المجلس يقدّر بنحو 146 مليار دولار سنويًا، وهو ما يمثل نحو 10 % فقط من إجمالي تجارة دول الخليج مع العالم التي تتجاوز 1.6 تريليون دولار سنويًا.
في المقابل، تبدو حركة التنقل بين شعوب الخليج أكثر نشاطًا، حيث يتنقل نحو 19 مليون مواطن خليجي سنويًا بين دول المجلس للسياحة والعمل والزيارات، ما يعكس عمق الترابط الاجتماعي. غير أن هذه القوة الاجتماعية لا يقابلها مستوى مماثل من التكامل الاقتصادي.
اقتصاديًا، يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي لدول المجلس مجتمعة 2.2 تريليون دولار، ما يجعل المنطقة من أهم مراكز الطاقة والتجارة عالميًا. ومع ذلك، فإن التجارب الدولية تظهر أن التكتلات الكبرى تحقق مستويات أعلى من التجارة البينية؛ ففي الاتحاد الأوروبي تتجاوز هذه النسبة 60 % من إجمالي تجارتها الخارجية.
إن رفع نسبة التجارة البينية إلى 20 % فقط يمكن أن يضاعف حجم التبادل التجاري داخل المنطقة، ويوفر فرصًا أكبر للاستثمار والتكامل الصناعي وسلاسل الإمداد المشتركة.
إن دول الخليج تمتلك مقومات استثنائية، تشمل الموقع الجغرافي الاستراتيجي والثروات الاقتصادية والروابط الاجتماعية والثقافية العميقة. ومع ما تحقق من إنجازات منذ العام 1981، فإن التحديات الراهنة تستدعي تطوير إطار مجلس التعاون ليصبح أكثر قدرة على التعامل مع المتغيرات.
إن الاتحاد الخليجي لم يعد خيارًا نظريًا، بل مسارًا استراتيجيًا يعزز قوة الخليج في وحدته واستقراره في تكامله، ويضمن مستقبله ككتلة قادرة على حماية مصالح شعوبه في عالم تتعاظم فيه قوة التكتلات الكبرى.
نبتهل إلى الله أن يحفظ خليجنا من كل سوء، وأن يديم عليه نعمة الأمن والاستقرار. كما نأمل أن تتكاتف الجهود لتجاوز تبعات الحروب، وأن تستعيد اقتصاداتنا عافيتها بقوة وعزيمة، بما يحقق الازدهار لشعوبنا ويحفظ مكتسبات أوطاننا للأجيال القادمة.