تشهد المنطقة في الآونة الأخيرة تحديات واضحة في حركة الملاحة البحرية في الخليج العربي، الأمر الذي يدفع دول المنطقة، ومنها البحرين، إلى البحث عن بدائل لوجستية تضمن استمرار تدفق السلع وسلاسل الإمداد بكفاءة. وفي ظل هذه الظروف، يبرز خياران أساسيان يمكن أن يشكلا منافذ بديلة لحركة التجارة: الأول يتمثل في الاستفادة من الموانئ المطلة على خليج عُمان وبحر العرب في سلطنة عمان، والثاني في الموانئ السعودية المطلة على البحر الأحمر في المملكة العربية السعودية، إلى جانب تفعيل النقل البري عبر الممرات التجارية التي تربط دول الخليج بتركيا وسوريا والأردن.
في هذا السياق، يبرز نظام النقل الدولي البري TIR كأحد أهم الأدوات اللوجستية العالمية التي يمكن أن تسهم في تسهيل حركة التجارة وتقليل تكاليفها وتسريع عمليات العبور بين الدول.
ما هو نظام TIR؟
نظام TIR Convention (اختصارًا لعبارة Transports Internationaux Routiers) هو نظام عبور جمركي دولي يهدف إلى تسهيل نقل البضائع عبر الحدود البرية بأقل قدر من الإجراءات الجمركية. ويسمح هذا النظام بمرور الشاحنات المحملة بالبضائع من بلد المنشأ إلى بلد المقصد عبر دول عدة دون الحاجة إلى إجراءات تفتيش جمركي معقدة في كل دولة عبور.
ويعتمد النظام على استخدام دفتر TIR، وهو مستند جمركي دولي يرافق الشحنة طوال رحلتها، إضافة إلى نظام ضمان مالي موحد يغطي الرسوم والضرائب الجمركية المحتملة، ما يلغي الحاجة إلى تقديم ضمانات منفصلة عند كل نقطة حدودية.
ويعمل النظام تحت مظلة الأمم المتحدة من خلال United Nations Economic Commission for Europe ، بينما يتولى International Road Transport Union إدارة نظام الضمان الدولي وإصدار دفاتر TIR بالتعاون مع الجمعيات الوطنية في الدول الأعضاء.
مكاسب اقتصادية ولوجستية
تشير التجارب الدولية إلى أن تطبيق نظام TIR يمكن أن يؤدي إلى تقليص كبير في زمن النقل عبر الحدود وخفض التكاليف التشغيلية مقارنة بطرق الشحن التقليدية. وقد أظهرت تجارب حديثة في المنطقة أن شحنات نقلت من تركيا إلى الإمارات العربية المتحدة عبر السعودية باستخدام النظام وصلت خلال نحو عشرة أيام، بينما قد يستغرق النقل البحري ضعف هذه المدة في بعض الحالات.
وتوضح هذه التجارب الإمكانات الكبيرة التي يوفرها النظام لتعزيز كفاءة سلاسل التوريد في المنطقة، خصوصا في أوقات الأزمات أو التحديات اللوجستية.
انتشار النظام في دول الخليج
شهد نظام TIR توسعًا ملحوظًا في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية خلال السنوات الأخيرة. فقد قامت الإمارات العربية المتحدة بتفعيل النظام ضمن منظومتها اللوجستية المتقدمة، كما تبنته المملكة العربية السعودية في إطار رؤيتها الاقتصادية 2030 لتعزيز موقعها كمركز لوجستي إقليمي.
أما سلطنة عمان فقد وظفت النظام ضمن خططها لتطوير قطاع النقل والاستفادة من موانئها المطلة على بحر العرب، فيما انضمت قطر إلى الاتفاقية في العام 2018 وبدأت تطبيقها ضمن جهودها لتطوير منظومتها اللوجستية. كما انضمت الكويت إلى النظام ضمن توجهها لتعزيز قطاع النقل البري.
في المقابل، ما تزال البحرين من الدول الخليجية التي لم تستكمل بعد إجراءات الانضمام إلى النظام.
تجربة تركية
تُعد تركيا من أبرز الدول التي نجحت في توظيف نظام TIR لتعزيز تجارتها الدولية. وقد أتيحت لي في العام 2006 فرصة زيارة غرفة تجارة إسطنبول للاطلاع على التجربة التركية في إدارة النظام، حيث لمسنا الدور الفاعل الذي تلعبه المؤسسات الاقتصادية في إصدار دفاتر TIR لشركات النقل والتنسيق مع الجهات الجمركية لضمان انسيابية حركة الشاحنات عبر الحدود.
وقد أظهرت تلك التجربة مدى الفائدة التي يمكن أن يحققها هذا النظام في تسريع حركة التجارة وخفض التكاليف، خصوصا للدول التي تعتمد على النقل البري في الربط بين الأسواق، إلا ان غرفة تجارة وصناعة البحرين لم تستحسن الفكرة آنذاك. (اقرأ الموضوع كاملا بالموقع الإلكتروني)
وانطلاقًا من هذه القناعة، تقدمت مرة أخرى في العام 2016 باقتراح إلى لجنة النقل والمواصلات في غرفة البحرين يدعو إلى حث وزارة المواصلات على دراسة إمكانية انضمام البحرين إلى نظام TIR. وقد تم عرض الموضوع على الوزير بتاريخ 30 أكتوبر 2016، إلا أن الرد الذي ورد لاحقًا أفاد بأن البحرين لديها عدد من الاتفاقيات والترتيبات القائمة التي تغطي احتياجات البلاد في مجال النقل والتجارة.
بين الحاجة الحالية والرؤية الاستراتيجية
ورغم المزايا اللوجستية التي يوفرها النظام، فإن النقاش حول جدوى انضمام البحرين لا يخلو من وجهات نظر مختلفة. فبعض المختصين يرى أن الاتحاد الجمركي بين دول مجلس التعاون يسهم بالفعل في تسهيل حركة البضائع داخل المنطقة، وهو ما قد يقلل من الحاجة الملحة إلى نظام عبور دولي مثل TIR، خصوصا في ظل محدودية التجارة البرية المباشرة بين البحرين وبعض الدول مثل الأردن أو تركيا.
في المقابل، يرى آخرون أن أهمية النظام لا ترتبط فقط بحجم التجارة الحالية، بل بقدرته على تعزيز مرونة سلاسل الإمداد وفتح مسارات لوجستية بديلة في أوقات الأزمات، خاصة مع توسع شبكة النقل البري بين الخليج وتركيا وأوروبا.
وبين هذين الرأيين يبقى السؤال مطروحًا:
هل يمثل نظام TIR ضرورة اقتصادية فورية للبحرين، أم أنه خيار استراتيجي يمكن أن يعزز جاهزية المملكة لمواجهة التحولات المتسارعة في حركة التجارة العالمية؟
وفي عالم تتسارع فيه حركة الاقتصاد والتجارة، لم تعد البنية اللوجستية مجرد خيار، بل أصبحت ركيزة أساسية من ركائز الأمن الاقتصادي والتنمية المستدامة.